نساء على خط النار البيئي..كيف تواجه الفلاحات قوائم التلوث؟

بغداد — موج إياد

في صباحٍ بنفسجي يحاوط بغداد، اختلف مع صباحات كل تلك السنوات السابقة

يمتزج الهواء بالدخان مكونًا طبقات بنفسجية ورمادية قد تسر الناظر الا انها تقتل الرئة ببطء، فمصافي النفط لم تعد بعيدة عن مركز المدينة ولا عن قراها الزراعية، حتى أصبح الدخان جارًا دائمًا للحقول، يسرق من الأرض نقاءها ومن الهواء خفته.

الدخان لا يقف وحده في طابور التلوث، فمحارق النفايات غير القانونية وأكوام المخلفات المشتعلة والمياه الملوثة التي تسقي بعض الحقول بدأت تتشارك لتصنع بيئة أكثر قسوة على الأرض ومن يعمل فيها. في تلك الحقول تخرج الفلاحات مع ساعات الفجر الأولى برائحة الدخان التي تلتصق بملابسهن، وتغطي السماء فوق رؤوسهن، بينما تقف المحاصيل عاجزة عما كانت عليه من قبل، ليغلق التنور الطيني فمه ويصمت المحصول في وجه الفلاحات.

بعد مشاهد الخضار الاخير في أطراف التاجي تحديدًا تقف نورية مطر ذات ال 54 عاما، وسط ارضها التي تغير لون تربتها خلال سنوات قليلة، كانت نورية تعرف الأرض كما تعرف ملامح بيتها زرعت الحنطة، وربت البطيخ، وعاشت مواسم الشتاء والصيف بإيقاع المحصول، لكن السنوات الأخيرة قلبت هذا الإيقاع، الماء الذي يصل أرضها بدأ يأتي مالحا بسبب الاعتماد على مياه الآبار، بعد أن انقطع المصدر الأساسي للمياه منذ انتهاء الحرب ضد تنظيم داعش في صلاح الدين.

تحتوي المياه هناك على نسب عالية من الأملاح والمعادن، خصوصا عندما تستخرج بكميات كبيرة ومن دون وجود مصادر سطحية تعوضها، ما يؤدي إلى زيادة ملوحة التربة وتراجع إنتاجية المحاصيل مع مرور الوقت “قبل الزرع جان يجيب گواني مال فلوس هسه المي مالح والغصن يابس وما يجيب اي ربح” تقول مطر.

المحصول لم يعد يسد تكاليفه، والمحاولات المتكررة لإنقاذ الأرض لم تنجح اذ ان  التربة تغير لونها والمياه الملوثة تزيد من حجم الكارثة البيئية، اذ تعتمد الأراضي الزراعية في قضاء التاجي شمالي بغداد على المياه القادمة من نهر دجلة عبر المنظومة المائية الممتدة من سامراء باتجاه العاصمة و تتحكم سدة سامراء بتدفق المياه وتوزيعها إلى القنوات والجداول الزراعية في وسط العراق لكن مع انخفاض مناسيب دجلة خلال السنوات الأخيرة تراجعت كميات المياه الواصلة إلى بعض الجداول المغذية للأراضي الزراعية في التاجي ومع انقطاع هذه الإمدادات جزئيًا، اتجه عدد من المزارعين إلى الاعتماد على المجاري المحلية المتفرعة من دجلة مثل نهر ذراع، وهو مجرى قريب من التاجي، إلا أن كمياته تبقى محدودة وتتأثر بسرعة بانخفاض منسوب دجلة

تقول مطر ان رغم محاولاتها المتواصلة الا ان التلوث استطاع ان يغلبها “حاولت أكثر من مرة… بس الحنطة ما تنطي فقررت اتخلى عن الگاع وابيعها”.

حين ضعفت الأرض، ضعفت معها قدرتها على اعالة اسرتها ونفسها لكون المرأة الفلاحة لن تكون قادرة على التكيف في بيئات العمل المدنية وحين تركت الزراعة، شعرت وكأن جزءًا من تاريخها الشخصي قد اغلق، قصة نورية لا تنفصل عن صورة اكبر ترسمها الارقام الرسمية.

انخفاض يسحب الاراضي

تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الى ان مساحة الاراضي المروية انخفضت من نحو 2.5 مليون دونم الى قرابة 1.5 مليون دونم في 2024، وفي 2026 لا يستغل فعليا سوى 46 بالمئة من الاراضي الصالحة للزراعة، بينما يهدد التصحر نحو 96.5 مليون دونم من الاراضي بينها اكثر من 40 مليون دونم متصحرة فعليا.

الارقام هنا لا تعني مجرد تراجع اقتصادي فقط بل تعني ان نساء مثل نورية يقفن امام ارض تتقلص عاما بعد اخر ودخل يتلاشئ مع الوقت وام فلاحة تقف بلا حيلة امام ارضها.

في عرب جبور جنوب بغداد تضطر “سرى محمود علي” صاحبة ال 53 عاما الى اتخاذ قرار التوقف عن العمل، بعد ان بدأت سرى الزراعة وهي في الثامنة من عمرها وكبرت وهي تحمل السلال، وتتعلم مواسم الباذنجان والخيار والبامية كما تعلمت الاحرف الابجدية

وكما لعبت مع اقرانها الصغيرات على ارض تحتضن طفولة الفلاحات بالكامل

لم تتوقف سرى لأنها أرادت، بل لأن الأرض لم تعد تستجيب والامراض الجلدية اخذت تنهشها مع كامل اسرتها “الأرض تعبت… والمحصول ما قام يثمر نفس قبل والامراض دتزيد علينا”.

تتحدث سرى عن أمراض جلدية بدأت تظهر بسبب المياه الملوثة على شكل بقع حمراء، وعن أبقار لم تعد تنجب بسبب التلوث اذ ان الابقار لم تكن تعاني من شيء تشكوه لكن التلوث لم يعد يؤثر على الانسان فقط، بل هو يتمادى ليحول نظام بيئي كامل الى شيء مختلف وغير مجدي تقول سرى. “قبل جانت الابقار تحمل وتجيب بسرعة بعد ٩ أشهر

وبالعادة تحمل كل سنة مرة وحدة، لكن بالسنوات الاخيرة صارت ما تكدر تحمل ولا مرة وتمر سنتين او ثلاث بدون لا تجيب”

لم تعد الخسارة مقتصرة على الارض، بل تعدت المواشي و البيت الذي كان يعتمد بالكامل على ما تنتجه الأرض وعلى ما تسير عليها من مواشي “ما خسرنا بس الزراعة، المواشي گامت ما تجيب ولا تحمل وهاي خسارة ثانية خلتنه نضطر نعتمد على السوق بعد ما كانت احتياجاتنا كلها موجودة”

في الريف حين تتوقف المرأة عن الزراعة، لا تجد بسهولة بديلًا او لا تجد اصلاً، لا شهادات مهنية، لا فرص عمل قريبة تلائمها وتستهويها لا شبكة أمان تستطيع حمايتها او تشجيعها فالأعراف والتقاليد لا تسمح عادةً بخروجها من هذا النظام

سرى لا تقول إنها خسرت وظيفة هي خسرت هوايتها، وهويتها، واستقلالها الاقتصادي في آنٍ واحد.

فبحسب تقرير المساهمات الوطنية المحدثة للعراق (NDC) المقدم إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ عام 2026، فان نحو 23 بالمئة من النساء العاملات في العراق يعملن في القطاع الزراعي وهذا يعني ان ما يقارب ربع النساء العاملات يعتمدن بشكل مباشر على الارض كمصدر دخل لهن ولعائلاتهن.

شيخوخة تقاوم الخسارة

في جانب اخر تقف حِدة صبحي 78 عاما والتي لا تزال تحاول أن تبقي علاقتها بالأرض حية رغم كل الخسائر والمعاناة التي تكبدتها وتقول “خسرنا أكثر من ثلاثين مليون خلال عشر سنين فقط أي مايقارب 23,000 دولار”.

تتحدث صبحي عن مواسم صارت تنتهي بخسارات ثقيلة وعن ارتفاع بالغ في أسعار البذور والمواد الزراعية وعن زيادة التكاليف اكثر بسبب حاجة الأرض المتزايدة إلى الأسمدة الكيميائية بسبب تدهور التربة المستمر اذ ان الارض لا تنتج شيئًا دونها  ومع اسعار الاسمدة الكيميائية المرتفعة للغاية لا تزال صبحي تشتريها احيانًا من اجل الارض

“الارض ما تنزرع اذا ماكو كيماويات … وإذا ما نجيب ما يطلع زرع واسعارها غالية كلش” تضيف.

بالنسبة لامرأة في عمرها يعد العمل تحت الشمس لساعات طويلة ليس امرًا عابرًا، بل هو عبارة عن امراض مزمنة تهاجم الفلاحة من مفاصل وفقرات وامراض جلدية اخرى وامراض الرئة التي تزيد من صعوبة ما تبذله الفلاحة من السهر على المحصول وسقيه وحتى يصبح ثمار، لكنها تزرع لأنها لا تعرف مهنة أخرى ولا يوجد لها دخل اخر سوى دخل الرعاية الذي استلمته بعد وفاة زوجها والذي يبلغ 300 الف دينار عراقي أي حوالي 200 دولار.

ولأن الزراعة بالنسبة لها ليست مشروعًا، بل حياة كاملة تعتمد عليها بشكل كامل وتحاول جاهدة استمرارها فالدولة لا تعطي دعمًا حقيقيًا للمزارعين ولا للمحاصيل لكون البلاد تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد من الدول المجاورة على الرغم من رخص اسعار المحاصيل العراقية وجودتها التي تقاوم لأن تبقى رغم الظروف الزراعية الصعبة.

بعيدا عن الحقول ياتي الاعتراف الرسمي بحجم الازمة، فالمتحدث باسم وزارة البيئة لؤي المختار وصف التغير المناخي وشح المياه بانهما تحد وجودي يمس حياة المواطنين والنمو الاقتصادي مؤكدا وجود خطط من قبل الوزارة لمعالجة الانبعاثات وتحسين ادارة الموارد

ومن جهته اقر وزير الزراعة عباس جبر العلياوي بان التغير المناخي يتسبب سنويا بخسارة مساحات واسعة من الاراضي الزراعية مشيرا الى المحاولات المبذولة على اعتماد تقنيات ري حديثة وزراعة ذكية لمواجهة التحديات والتغلب عليها من قبل المزارعين

الاعتراف واضح والخطط معلنة لكن النساء في القرى لا يعشن داخل بيانات صحفية

بل داخل موسم واحد اذا خسرنه لن يمتلكن رفاهية الانتظار حتى 2030ولا حتى الدخل الذي يمكنهن من اعتماد هذه التقنيات.

حين يكون التلوث أكبر من رقم

تقف سعدية الجبوري 39 عاما والتي تربط التلوث بخسارة شخصية أكبر اذ لم يأخذ التلوث منها اراضٍ ومحاصيل فقط بل تعدى ذلك ليختطف والدتها بعد سنوات من المعاناة مع امراض الرئة ومشاكل التلوث، تصف الجبوري سنوات من المعاناة مع ضيق التنفس، والمراجعات الطبية، والقلق اليومي من الفقدان، بأنها احد اكثر المعاناة التي تعاني منها الفلاحات بسبب التلوث “اتعب اثناء التنفس… والبخاخ كان وياي يوميًا” تقول سعدية.

السبب لم يحسم طبيًا اذ ظل مجهولاً تحت تصنيف امراض الرئة، الا ان الشك ظل حاضرًا في ظل تزايد التلوث في المنطقة وارتفاع الوفيات لذات السبب

“والدتي لم تكن تعاني من شيء وشكوكنا زادت لمن بدت وفيات الرئة ترتفع بالمنطقة بدون سبب” تضيف.

تشير الجبوري إلى اراضٍ واسعة خرجت من الخدمة الزراعة وتحولت الى بيوت ومشاريع تستحوذ على مناطق كانت زراعية ريفية لا يصلها العمران المدني بأي صلة وإلى تراجع حاد في نسبة العاملين بالزراعة من النساء والرجال

اذ ان المصافي القريبة لم توثر فقط على الدخل، بل على الصحة العامة، وعلى إحساس النساء بالأمان داخل بيئتهن الأولى “الملابس نشرها بالليل ثاني يوم نلگاها كلها تراب وظهرت حشرات غريبة ما شايفيها قبل تهاجم المحاصيل” تروي الجبوري عن كميات التلوث التي ترتفع يومًا بعد يوم حتى اصبح الدخان يملأ الاجواء ويدخل في الثياب وعن حجم الحشرات التي لم يسبق رصدها في المنطقة قبل سنوات من الان.

التصحر يأكل نصف الخارطة

تشير بيانات وزارة التخطيط العراقية لعام 2024 الى ان اكثر من نصف مساحة العراق، اي ما يقارب 55.5 بالمئة، معرضة للتصحر، فيما تحولت نحو 40.4 ألف كيلومتر مربع فعليا الى اراض صحراوية، ما يمثل 23.2 بالمئة من مساحة البلاد.

هذه الارقام لا تعكس مجرد خلل بيئي عابر، بل تحولا تدريجيا في طبيعة الارض التي يعتمد عليها ملايين العراقيين، خصوصا في المناطق الريفية التي ترتبط حياتها بالزراعة والرعي والمياه السطحية، وفي الوقت الذي تتقدم فيه الصحراء بهذه الوتيرة، تتسع دائرة القلق في مناطق اخرى تشهد نوعا مختلفا من التدهور البيئي، ليس بسبب الجفاف فقط، بل بفعل النشاطات النفطية والتوسع الصناعي.

التلوث النفطي وتشوهات الأجنة في محيط الأهوار

عندما نبتعد عن حدود بغداد الى القرى القريبة من هور الحويزة شرق ميسان، هناك لا يقاس التلوث بلون الماء فقط بل بأسئلة ثقيلة ترافق كل حمل جديد، النساء هنا لا يقلقن من ألم الولادة بقدر ما يقلقن مما قد تحمله الأيام الأولى للطفل

يروي الناشط البيئي مرتضى الجنوبي عن التوسعات النفطية الأخيرة والتي غيرت شكل الحياة، وخصوصًا حياة النساء، ويقول “الجهة الشرقية من ميسان تحولت إلى حقول نفطية… والتوسعات صارت على حساب بيئة الأهوار وسكانها”.

بحسب الجنوبي، فإن القرى القريبة من الحقول النفطية، ومنها المناطق المحاذية لهور الحويزة وحقل الحلفاية، تتعرض لانبعاثات مستمرة من الشعلات الغازية ومخلفات نفطية تغطي الأجواء تتسبب بكوارث بشرية كبيرة، اذ تم رصد حالات ولادات غير طبيعية في بيوت لا تبعد سوى مئات الأمتار عن الحقول.

ويضيف “وثقنا حالات ولادات مشوهة في منازل تبعد أقل من 500 متر عن الحقول… أربع شعلات غازية مستمرة من سنوات وما تنطفي”

المرأة في الأهوار ليست بعيدة عن مصدر التلوث فهي تقضي ساعات طويلة في الهواء الطلق، ترعى الجاموس، تنظف الحظائر، وتعمل في الأراضي الزراعية القريبة أي تغير في الهواء أو الماء ينعكس مباشرة على جسدها.

الجنوبي يشير إلى أن التلوث لا يتوقف عند حدود الولادات، بل يمتد إلى أمراض تنفسية وسرطانية، إضافة إلى تأثيرات على التربة والمزروعات.

في الأهوار، كانت المرأة تعتمد على الماء، والقصب، والجاموس كمصادر حياة.

اليوم، صارت تقطع مسافات أطول لجلب الماء بسبب الجفاف، وتتعامل مع بيئة ملوثة، في الوقت نفسه هي تخسر حقها كأم تحتضن رضيع لا يعاني من شيء.

التقارير البيئية لعام 2026 تؤكد ان العراق ما يزال من اكثر الدول تاثرا بالتغير المناخي في المنطقة مع استمرار تقلص المساحات المزروعة وازدياد هشاشة التربة، الدولة تتحدث عن الاقتصاد والامن الغذائي لكن في البيوت الريفية يقال ان البيت لم يعد فيه ما يكفي

23 بالمئة ليست نسبة عابرة بل وجوه نساء يستيقظن قبل الفجريحملن السلال ويقفن تحت شمس لا ترحم وتحت بردٍ لا يفقه شيئًا.

وحين تتراجع الارض لا تتراجع الارقام فقط، بل يتراجع احساس الامان داخل البيت

وهكذا تبقى الفلاحة العراقية واقفة بين ارض تتقلص وهواء مثقل وماء شحيح ووعود تنتظر وقتها، ويبقى السؤال معلقا فوق الحقول اليابسة، كيف تعيش امرأة ريفية بلا ارض؟

 

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts