القاهرة – آيات الحبال
“العمارة الخضراء حياة”، هو شعار اتخذته الأكاديمية هالة عبد المعز في حياتها العملية. فالمهندسة والأستاذة الجامعية الأربعينية التي تشغل منصب وكيل المعهد التكنولوجي العالي للهندسة بمدينة السادس من أكتوبر بالجيزة، كرّست حياتها الأكاديمية للبحث عن كيفية الاستفادة من أنماط مفاهيم العمارة التقليدية الخضراء ودمجها بالأنماط الذكية الحديثة في العمارة. الأستاذة الحاصلة على بكالوريوس الهندسة المعمارية من جامعة القاهرة عام 1999 والماجستير والدكتوراه في العمارة الخضراء من الجامعة نفسها، تعمل كذلك على كيفية تطبيق العمارة التقليدية الخضراء على المدن المصرية لا سيما المدن الجديدة، بعيدًا عن أنماط العمارة الغربية الدولية التي تم استيرادها من الخارج وأصبحت أساس نمط البناء المصري بشكل عام وأبنية المدن الجديدة بشكل خاص.
التقيت مع الدكتورة هالة للحديث عن واقع العمارة الخضراء في المدن مصرية الجديدة، وأيضًا رؤيتها لمستقبل البناء المستدام بما يحققه من أنماط للتكيف مع التغيرات المناخية التي تمر بها مصر. تؤمن هالة بأن العمارة التقليدية نابعة من الموروث الثقافي ولها هوية خاصة، فهي على حد تعبيرها “غنية جدا” وتتناسب مع الظروف المناخية المصرية بكل تغيراتها، بالإضافة إلي أنها تناسب العادات والتقاليد المحلية. إذ أنها مزيج من فنون العمارة التراثية التي تدمج بين الإسلامية والقبطية والمصرية القديمة (الفرعونية) والرومانية، وراعت أنماط التكيف مع البيئة، وهذا ما كشفته المباني الأثرية المنتشرة في محافظات مصر، إلا أن هذا النمط بدأ يختفي بسبب الاعتماد على العمارة الدولية.
إن اسلوب العمارة الدولية الذي تطور في أوروبا والولايات المتحدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، هو نمط يخلو من خصائص الهوية ويرفض عناصر الزخرفة، ويقوم على هياكل خرسانية فقط، كما أنه يحتاج إلي مزيد للطاقة الكهربائية لتوفير الإنارة والتدفئة او التبريد، ولا يحقق مبدأ الخصوصية المتبعة في العادات والتقاليد المصرية. هذا هو النمط الشائع في البناء في مصر حاليًا وتعتمد عليه كل مشروعات الإسكان سواء في القطاعي العام والخاص، ورغم ذلك ترى هالة أن هذا النمط لا يتناسب مع أسلوب حياة المصريين وتقاليدهم، بل إنه ساهم في المزيد من التلوث وتخفيض جودة الحياة. مع ذلك، تشير إلى أنّ انتشار نمط العمارة الدولية يعود أساساً إلى الحاجة الملحة لتوفير السكن، خاصة بعد وصول تعداد سكان مصر إلي 108 ملايين و500 ألف نسمة.
ومن هنا اختارت هالة البحث عن أنماط العمارة التقليدية العربية الخضراء ومدى إمكانية تطبيقها حاليًا في المدن الجديدة لتصبح أحد أنماط التكيف مع التغيرات المناخية، وهذا ما يتوافق مع الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر 2050 والتي تستهدف بشكل أساسي التخفيف من انبعاثات الاحتباس الحراري والتكيف مع أنماط التغيرات المناخية في كافة الأنشطة. من بين هذه الانشطة العمارة، خصوصًا أنّ مصر خلال السنوات العشر الماضية توسعت في بناء مدن جديدة في الظهير الصحراوي، كما أكّدت هالة، التي تستخدم مهارتها كمحاضرة جامعية لكي تشرح كل ما هو متعلق بالعمارة التقليدية الخضراء. فضلاً عن كونها صديقة للبيئة، تخبرنا أنّ هذه العمارة الخضراء تناسب القيم الاجتماعية العربية عامة والمصرية كونها مثلًا تعلي من قيمة الخصوصية، كما أنها لا تحتاج إلى إمدادها بالطاقة الميكانيكية، فقديمًا اعتمد السكان لتوفير الإنارة والتهوية على مصادر الطاقة الطبيعية مثل الشمس.
في بحثها الذي خصّصته لنيل درجة الدكتوراه والذي جاء بعنوان “الملقف الإلكتروني كمدخل لحل إشكاليتي الهوية والطاقة للعمارة” (2012) استعادت أحد أنماط العمارة التقليدية الخضراء ومزجتها في العمارة الذكية. فكرتها تعتمد على توفير مصدر للتهوية والطاقة من خلال استعادة فكرة ملقف الهواء الذي اعتمده المهندسون في عهد الدولة المملوكية في مصر قديمًا، وتحديداً في المباني الأثرية.
أكدت الدكتورة هالة عبد المعز أن نمط البناء الغربي أدى إلى زيادة استخدام مكيفات الهواء في فصل الصيف مما ساهم في زيادة نسب التلوث الهوائي، رغم شح الطاقة. وبالتالي باتت هناك ضرورة ملحّة للبحث عن وسائل لترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية المحدودة، بجانب تقليل استخدام مكيفات الهواء التي تساهم في زيادة غاز الفريون الذي يعدّ أحد مصادر تلوث الهواء وزيادة الانبعاثات.
مع زيادة عدد السكان وفي محاولة لتقليل التكدس السكاني على دلتا النيل نشأ في مصر مفهوم المجتمعات العمرانية الجديدة، وتم إنشاء هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التابعة لوزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة المصرية في العام 1979، بحيث تتولى تأسيس مجتمعات عمرانية جديدة في الظهير الصحراوي للمدن القديمة، وأسست الهيئة 4 أجيال من المدن الجديدة مقسمة على 37 مدينة في مختلف أنحاء مصر، واستخدمت فيها نمط البناء الدولي السريع، الذي تسكن دكتورة هالة في إحدى شققه. وفي السنوات العشر الأخيرة ظهر مشروع للإسكان الأخضر في مدن الجيل الرابع التي وصفتها البيانات الحكومية الرسمية بأنها مدن ذكية صديقة للبيئة تعتمد على مصادر الطاقة المتجدّدة، ولعل أبرزها العاصمة الإدارية الجديدة التي اتخذتها الحكومة المصرية مقرها الحالي.
رغم كل محاولات تطبيق العمارة الخضراء في المدن الجديدة، ترى هالة أنه لا يزال غير مطبق بشكل حقيقي فكل ما يطبق على حد قولها يعتمد على استيراد أنماط من الخارج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
“العمارة الخضراء دائمًا ذكية ولكن العمارة الذكية ليست خضراء” هذه العبارة تكررها الدكتورة هالة دائما في محاضراتها العلمية لطلابها، فالعمارة الذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي واستخدام التطبيقات الإلكترونية لتشغيل الأجهزة الكهربائية، وأيضًا تستخدم لترشيد الكهرباء، وهذا موجود في الكثير من المجتمعات السكنية التي يسكنها أبناء الطبقات العليا ورجال الأعمال (الأغنياء).
لكن العمارة الخضراء التي تضطلع إليها، هي في الأصل العمارة الشعبية المصرية التي كان يسكنها الجميع سابقًا، وعبر السنوات تم اختزالها في نمط “تسويقي” مقتصر على طبقة الأغنياء فقط لارتفاع أسعار هذه الوحدات السكنية.
خلال السنوات العشر الماضية عممت الكليات والمعاهد الهندسية في كل أرجاء مصر تدريس مواد متعلقة بـالاستدامة والعمارة الخضراء، والدكتورة هالة واحدة من الأساتذة المساهمين في وضع مناهج مواد الاستدامة وتوصيفها، وهذا يشير إلي أن الأعوام القادمة حتى 2050، حيث سيكون للعمارة المستدامة في المدن الجديدة المصرية نصيب أكبر، بفضل الأجيال الجديدة من المعماريين، وستكون العمارة التي تتكيف مع التغيرات المناخية في متناول فئات أكثر بدلًا من اقتصارها على فئة بعينها، وأيضًا يكون هناك عدد لا بأس به من المهندسين العاملين في هذا المجال قد تضطر نقابة المهندسين المصرية إلى تسجيلهم في شعبة خاصة بهم داخل النقابة على حد قولها.
ترى هالة أن استضافة مصر لقمة المناخ COP27 عام 2022، في مدينة شرم الشيخ بمحافظة جنوب سيناء الواقعة في الجنوب الشرقي لشبه جزيرة سيناء، ساهمت في توجيه الاهتمام الرسمي نحو الأفكار المتعلقة بالعمارة الخضراء، بالإضافة إلى تشجيع للأبحاث الأكاديمية الخاصة بهذا النمط. هذا ما يشير، على حد قولها، إلى أنه خلال الأعوام المقبلة سيكون هناك توجه واضح حتى من المعماريين لإعداد مجتمعات سكنية ذات عمارة خضراء في مختلف أنحاء مصر، لأن تحول العمارة الخضراء القابلة للتكيف ليس رفاهية وبالتالي سيكون لدينا نماذج للعمارة الخضراء في المدن الجديدة.
“في عام 2050 سيكون لدينا تطبيقات متنوعة ومبتكرة للعمارة الخضراء” وهذا ما تلمسه من أعمال طلابها سواء طلاب الجامعة أو طلاب في مرحلة الماجستير والدكتوراه، وأيضًا تجارب في مساحات أكبر من المدن الجديدة للعمارة الخضراء الذكية التي ستصل إلى فئات أكثر مما هي عليه الآن، في مقابل أن المدن الخرسانية ستواجه التكدس والضعف في الخدمات في حالة إهمال الصيانة.
في تسعينيات القرن الماضي، كانت هالة عبد المعز تواجه صعوبات في تنفيذ تطبيقات العمارة الخضراء في عملها نظرًا لانعدام وجود وعي من قبل المطورين العقاريين، هذا اختلف كثيرًا الآن على حد قولها، فأصحبت عبارة “مجتمع سكني أخضر يحظي بالخصوصية” في إعلانات المطورين العقاريين من أهم العبارات المستخدمة لتسويق العمارة الخضراء والتي تجذب المستثمرين والسكان أملًا في الحصول على مسكن آمن يحقّق لهم جودة الحياة، إلا أنه يظل مقتصرًا على مشروعات المطورين العقاريين للإسكان الفاخر ولكن هناك ملامح لزيادة الاهتمام به في كل المدن الجديدة المصرية وسيصل إلى مختلف مشروعات الإسكان التي تتبانها الدولة لكل الفئات.
طرحت عليها سؤالًا إن كان يمكن أن تكون العمارة الخضراء مجرد موضة أو “ترند” لفترة فقط، لكنها أجابت بالنفي. وذلك لأن مصر لديها خطة وإلتزام واضح لتقليل الانبعاثات و احتياج إلى تحسين أنماط التكيف مع التغيرات المناخية، وسيصبح هذا هو نمط البناء الذي تصل إليه فئات أكثر داخل المدن الجديدة التي سوف تتمكّن من استيعاب هذا النمط نظرًا لوجود مساحات متاحة في مقابل صعوبة تحويل المباني داخل المدن المكتظة القديمة إلى مباني خضراء بالمفهوم الكامل.
ولكن في النهاية رغم كل المحاولات، “نحن نتطلع إلى مشروع واضح من الدولة لكي تصبح العمارة في المدن الجديدة خضراء”.
ينشر هذا المقال ضمن مشروع “غرين بانتر” بالتعاون مع “تاز بانتر” .