نحو اقتصاد ليلي قسري.. كيف بدفع تغير المناخ العمال السوريين إلى تغيير إيقاع حياتهم

سوريا – سوسن الحسين 

 

في تمام الساعة الرابعة صباحاً، يرنّ جرس المنبه الذي ضبطه عامل النظافة أبو محمد المنحدر من بلدة حربنوش شمالي إدلب، ليبدأ ورديته مع فريق التنظيف. يرتدي سترته ويبدأ جولته على حاويات جمع القمامة الموزّعة في مخيمات المنطقة ومحيطها محاولاً إنهاء عمله قبل اشتداد الحرّ. 

هذا النمط الجديد من العمل يعتمد على تجنّب ذروة «الإجهاد الحراري» الذي تشير إليه تقارير مناخية محذّرة من أنّ ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة يزيد من خطر تعرّض العمال للإجهاد الحراري، خاصة أثناء العمل البدني. وقد يؤدي هذا التعرّض في بعض الظروف إلى الاقتراب أو تجاوز حدود التحمل البشري المرتبطة بـ «درجة حرارة البصيلة الرطبة»، وهي مؤشّر مركّب يجمع بين الحرارة والرطوبة. تعكس هذه الدرجة أدنى مستوى يمكن أن يبلغه جسم الإنسان عبر التعرّق، فكلما انخفضت سهل تبريد الجسم، وكلّما ارتفعت تعذّر ذلك. وعند اقترابها من درجة حرارة الجسم الأساسية، (نحو 37 درجة مئوية) يفقد الجسم قدرته على التبريد مما يؤدي إلى سكتات دماغية وفشل كلوي حاد. 

تبدّل الدوام 

في السابق، لم يكن مسموحاً للعمال ببدء النشاط قبل الساعة الثامنة صباحاً، كما يوضح أبو محمّد، إلا أنّ ارتفاع درجات الحرارة وروائح التخمّر النافذة المنبعثة من الحاويات المعدنية، جعلته يرفع طلباً للمراقبين الميدانيين المشرفين على عمله بالسماح له ببدء العمل قبل بزوغ الفجر، هرباً من حرّ الشمس ولهيبها الحارق. يتذكّر أبو محمد صيف العام الماضي، حين كان يراقب تحذيرات الأرصاد الجوية اليومية، والتي تتطلّب من المواطنين التزام المنازل وتجنّب التعرض لأشعة الشمس المباشرة خاصة في ساعات الذروة، يقول: «كنت أبلل منشفة صغيرة بالماء ألفّها على رأسي لتبريده، وكنت أعيد العملية عدة مرات بسبب الحر الشديد. في تلك الأوقات كانت الشوارع تخلو إلا ممن يسعون لكسب أرزاقهم مثلي وزملائي». 

شعر أبو محمد بالتفاؤل بعدما سُمِحَ له بتغيير وقت عمله إلى ماقبل اشتداد الحرّ، ولا يخفي مخاوفه من العودة عن قرار المنظمة الإنسانية التي يعمل معها التزاماً بتشريعات العمل المتعارف عليها (من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثالثة ظهراً). 

شهد تنظيم أوقات العمل تحوّلاً جذرياً عقب الثورة الصناعية، حين انتقل مفهوم «الزمن» من الارتباط بالشمس إلى الارتباط بالآلات والمصانع. وفرض ظهور المصانع الكبرى في القرن التاسع عشر نظام «النوبات» لضمان استمرار تشغيل الآلات وحماية رأس المال من التوقف. أدى هذا النظام في بداياته إلى استغلال مفرط بمتوسط ساعات عمل تراوحت بين 12 و 16 ساعة يومياً، قبل أن تؤدي الضغوط النقابية والتحولات الاجتماعية إلى إقرار «يوم العمل ذي الثماني ساعات» كمعيار عالمي.

إلا أن تأثر العمال بارتفاع درجات الحرارة التي شهدها الشرق الأوسط العام الماضي 2025، خلقت تحديات تجعل إعادة النظر في التشريعات بما يتلاءم مع الواقع البيئي الجديد ضرورة ملحة. وقد تكون المرونة في تحديد أوقات الدوام لبعض المهن إحدى الحلول، وذلك لضمان التوازن بين استمرارية الإنتاح بكفاءة، وحماية العمال والناس أيضاً، خاصة أن التنبؤات تشير إلى تصاعد متزايد لدرجات الحرارة عاماً بعد عام.

فبحسب تقييمات «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ» (IPCC)، يُرجَّح أن يصل الاحترار العالمي إلى مستوى 1.5 درجة مئوية بين عامي 2030 و2052 فوق معدّلات ما قبل الثورة الصناعية، إذا استمرّت انبعاثات الغازات الدفيئة على مسارها الحالي. وتشير هذه التقديرات إلى أن المناطق القارية في شرق المتوسط، ومنها سوريا، ستتأثر بارتفاع درجات الحرارة أكثر من المتوسط العالمي، مع تزايد موجات الحرّ الشديد وطول مدّتها. 

الإجهاد الحراري… مصير معظم المهن

لا يقتصر تأثير تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة على العمال الموظفين فقط، بل يمتد بشكل أوسع ليشمل مهناً أكثر ارتباطاً بالطبيعة، مثل الرعي والزراعة وغيرها من الأنشطة المعتمدة على الظروف المناخية. العاملون في مهن كهذه يواجهون تحدّيات مباشرة مثل الجفاف ونقص المياه وتدهور المراعي وتراجع الإنتاج الزراعي، مما يجعلهم أكثر عرضة للمخاطر الاقتصادية والصحية. ومن هنا يصبح من الضروري توسيع نطاق النقاش حول تأثير المناخ ليشمل مختلف القطاعات، تمهيداً لبحث سبل التكيف في حال تخيل سيناريو ارتفاع درجات الحرارة السابق. 

يقول الدكتور مصطفى نور استانبولي، المتخصّص في تقييم الأثر البيئي، إن فهم هذا السيناريو لا يمكن فصله عن طبيعة النظم البيئية التي يعيش الإنسان داخلها، موضحاً أن الإنسان ليس عنصراً خارجاً عنها، بل هو المكوّن المركزي فيها، خاصة في المدن.

 ويربط استانبولي بين رفاه الإنسان وجودة حياته وبين قدرة هذه النظم البيئية الحضرية على تقديم خدماتها الأساسية، وعلى رأسها تأمين بيئة معيشية ضمن حدود حرارية مقبولة تسمح للإنسان بممارسة أنشطته اليومية دون قيود. ويشرح أن هذه الحدود، عند اختلالها، لا تظهر آثارها فقط بشكل مباشر مثل ضربات الحرارة، بل تمتد إلى أمراض مزمنة ناتجة عن إجهادات غير مباشرة ومتراكمة.

وبالاستناد إلى المعطيات المناخية التاريخية والحالية، يشير استانبولي إلى أن مناخ سوريا يسير حالياً ضمن ما يُصنَّف «كأفضل السيناريوهات المتوقعة لارتفاع درجات الحرارة»، إذ ارتفع المتوسط بنحو 1.9 درجة مئوية خلال الخمسة والعشرين عاماً الماضية، وهو ما يتوافق مع معايرة النماذج المناخية المعتمدة حالياً. لكنه يحذّر من أن هذا الرقم، الذي يبدو محدوداً ظاهرياً، لا يعكس الصورة الكاملة، لأن هذه السيناريوهات تعتمد على متوسّط الحرارة السنوي فقط، في حين أن الواقع المناخي تحكمه منظومة متشابكة من العوامل، تشمل متوسّطات الحرارة العظمى والصغرى، وموجات الحر المتطرفة، والتلوّث المحلّي داخل المدن، والجزر الحرارية التي ترفع درجات الحرارة المحلية بشكل قد يكون مفاجئاً وحاداً.

يشير الدكتور استانبولي إلى أن ما شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما صيف 2024، يمثل مثالاً واضحاً على هذه الظواهر المركبة، فقد تزامنت موجات الحر مع تلوث مرتفع، ما أدى إلى إجهادات حرارية غير مسبوقة. يقول: «إن استمرار هذا المسار قد يدفع المناخ السوري إلى القفز من أفضل السيناريوهات إلى أسوأها خلال فترة قصيرة، وربما بشكل مفاجئ، ليصل متوسط ارتفاع درجات الحرارة إلى نحو 3 درجات مئوية بحلول عام 2050، ما يعني أن متوسط درجة حرارة الهواء قد يبلغ قرابة 22 درجة مئوية».

ويرى أن هذا الواقع سيجعل فصول الصيف طويلة ومبكرة، مع نهارات قد تتجاوز فيها الحرارة 50 درجة مئوية، ما يجعل الخروج من المنازل خطراً صحياً حقيقياً بسبب الإجهادات الحرارية، وهو ما بدأ السكان يلمسونه بالفعل خلال السنوات الماضية مع ارتفاع استهلاك الطاقة نهارًا، وما يرافقه من تلوث إضافي يعيد تغذية حلقة ارتفاع الحرارة داخل المدن.

ويربط استانبولي هذا المشهد المناخي بما يسميه «الاختلال المتراكم في النظم البيئية»، موضحاً أن هذه النظم، سواء كانت طبيعية كالغابات والمراعي أو حضرية داخل المدن، تقوم على توازن دقيق بين عناصر حية وغير حية. وعندما يختل هذا التوازن، تتحول الخدمات البيئية إلى آثار سلبية. ويشير إلى أن المدن، على وجه الخصوص، تعاني من اختلالات فيزيائية وكيميائية حادة، يأتي التلوث في مقدمتها، سواء من حيث تغيير نوعية مكونات الهواء أو رفع تراكيزها إلى مستويات تسبب أضراراً وإجهادات صحية وبيئية.

ويعيد استانبولي جذور هذا الاختلال إلى ضعف الإدارة البيئية في سوريا خلال العقود الخمسة الماضية، نتيجة قلة المختصين الحقيقيين، وغياب السياسات البيئية المتكاملة، وضعف التشريعات أو عدم فاعليتها. يقول إن التخطيط البيئي لم يأخذ بعين الاعتبار التكامل بين البيئة والمجتمع والاقتصاد، فتم التركيز على التنمية العمرانية على حساب استطاعة البيئة، ما أدى إلى تراكم آثار سلبية أوصلت النظم البيئية إلى حالة حرجة. ويضرب أمثلة على ذلك بتوسع المدن دون تقييم للأثر البيئي، وإلغاء المساحات الخضراء لصالح استخدامات أخرى، وظهور كثافات سكانية مرتفعة في مناطق محددة، إضافة إلى غياب التنسيق بين الجهات التخطيطية، حتى داخل المؤسسة الواحدة.

يضيف أن نقل تجارب خارجية دون تكييفها مع الواقع المحلي أسهم بتعقيد المشهد، وأن تراكم الملوثات المختلفة أضعف أداء النظم البيئية، وأدى إلى تفاعل آثار سلبية متعددة، في ظل وعي بيئي ضعيف لدى شريحة واسعة من الأفراد. ويعدد مظاهر هذا الضعف، من التعدي غير العقلاني على الموارد الطبيعية، إلى القطع المفرط، والرعي الجائر، وحرق الغابات، وتلويث المسطحات المائية، وهي ممارسات تراكمت على مدى سنوات طويلة.

ويشير إلى أن هذه الاختلالات تفاقمت خلال السنوات الأربع عشرة الماضية بفعل النزاعات المسلحة والتغيرات الديموغرافية، وما رافقها من ضغوط إضافية على البيئة، وتراجع أولوية القضايا البيئية، بالتزامن مع تسارع التغير المناخي، وارتفاع معدلات حرائق الغابات، وفقدان الغطاء النباتي، وانجراف التربة نتيجة الهطولات الغزيرة غير المحمية بغطاء نباتي.

يحذر استانبولي من أننا قد نصل إلى حالة «إغلاق حراري»، تشبه من حيث المبدأ الإغلاقات التي شهدها العالم خلال جائحة كورونا، لكن بدافع مناخي، فيصبح الخروج من المنازل خطراً صحياً في أوقات معينة، وتُصنَّف بعض المناطق الحضرية كنقاط خطرة حرارياً. يقول: «إن هذا التحول سيؤدي إلى اضطرابات عميقة في أنماط الحياة والعمل، مع انتقال بعض القطاعات إلى العمل الليلي، خاصة القطاعات الخدمية المكشوفة، مثل عمال النظافة وصيانة الطرق، وما يرافق ذلك من ضغوط على قطاعات الطاقة والصحة والاقتصاد».

يؤكد أن هذا التحول بدأ يظهر بالفعل، سواء من خلال تجربته الشخصية في تعديل نمط عمله البحثي ليقتصر على ساعات الصباح الباكر أو ما قبل الغروب، أو من خلال ملاحظته لتغير سلوك سائقي سيارات الأجرة، ومرونة الدوام في بعض المؤسسات السورية التي نفذت أعمال الصيانة ليلاً خلال الصيف. ويضيف أن دولاً عدة حول العالم بدأت بالفعل بتعديل ساعات العمل وفق الخصائص المناخية لكل منطقة.

ولا يغفل عن التأثيرات العميقة لهذا التحول على الإنسان والمجتمع والبيئة، مشيراً إلى أن التكيف الفردي قد يكون ممكناً على المدى الطويل، لكن التكيف المجتمعي يرافقه تراكم للإجهادات النفسية واختلال في الروابط الاجتماعية. أما بيئياً، فيخبرنا عن اضطراب سلوك الكائنات النهارية والليلية على حد سواء، وازدياد التلوث الضوئي داخل المدن، ما يشكل خروجًا عن الفطرة الطبيعية للنظم البيئية.

القطاع الزراعي… الأكثر هشاشة

وفيما يخص الزراعة، يصف استانبولي القطاع الزراعي بأنه الأكثر هشاشة أمام التغير المناخي، محذراً من أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة مع انخفاض الهطولات سيؤدي إلى موجات جفاف، وانزياح في البرامج الزراعية ومناطق الزراعة المناسبة. يخبرنا إن المزارع السوري لم يتمكن حتى الآن من التكيف مع التغيرات الحالية، ما دفع كثيرين إلى ترك الزراعة بالفعل، محذراً من أن مستقبل الأمن الغذائي بات مهدداً ما لم تُقدم إرشادات علمية حقيقية وتنبؤات دقيقة تقلل من مخاطر المغامرة الزراعية.

وقد شهدت سوريا بالفعل واحدة من أخطر الأزمات المناخية في تاريخها الحديث بحسب تقرير أصدره تحالف المجتمع السوري (the Syria Community Consortium)، وصف التقرير جفاف عام 2025 بأنّه الأشد منذ نحو 40 عاماً، وأدى إلى تداعيات واسعة على الزراعة والأمن الغذائي وسبل العيش في مختلف أنحاء البلاد. وتسبّب فشل موسم الأمطار الشتوية 2024  -2025، بحسب تقرير للتحالف، بانخفاض حاد في منسوب المياه السطحية والجوفية، وتراجع إنتاج المحاصيل الأساسية في مناطق واسعة من سوريا.

ما الحلول الممكنة؟

في دمشق، يعمل محمد محروس بمهنة توصيل الطلبات إلى منازل الزبائن داخل أحياء دمشق وريفها حيث يقطن. يقود دراجته النارية بين الشوارع المزدحمة وسط ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة. لا وقت محدد لتلبية الطلبات، فبينما يلتزم الزبائن بيوتهم هرباً من الحر الشديد، يجد نفسه مضطرًا لاستنشاق الهواء الساخن الذي يعكسه الاسفلت في الطرقات، ولتحمل لهيب الشمس الذي تخزنه جدران الأبنية الاسمنتية والواجهات الزجاجية والأرصفة. 

ما يصفه محروس أثناء حديثه عن رحلته اليومية بين الأبنية الطابقية لا يعكس فقط صعوبة العمل، بل يطرح تساؤلاً عن أثر التصميم العمراني للمدن في التكيف مع التغير المناخي والرؤى العلمية لمستقبل المناخ عام 2050، وحول دور البناء العمراني في تخفيف هذه الظروف تمهيداً لمواجهة المشكلة قبل حدوثها.

ولأن التغير المناخي يتقاطع مع البنية العمرانية وأنماط التخطيط، يشرح البروفسور الدكتور المهندس رامي بدوي، الأستاذ الجامعي في جامعة العلوم المعلوماتية والتكنولوجيا في مدينة نانجينغ الصينية، ورئيس قسم الطبوغرافية والجيوتيكس في جامعة إدلب، الأسباب الهندسية لارتفاع الحرارة، ويعرض مسارات التخفيف الممكنة داخل المدن.

يستند البروفسور بدوي في تفسيره لارتفاع درجات الحرارة إلى الاستقراء الزمني للدراسات الهندسية، موضحاً أن السبب الرئيس يعود إلى «زيادة الغازات الناتجة عن عمليات الاحتراق، ولا سيما غاز الكربون ومثيلاته مما يُعرف في الدراسات العلمية بالغازات الدفيئة». ويشرح أن هذه الغازات تعمل «عملاً مشابهاً للبيوت الزجاجية أو البيوت البلاستيكية»، إذ تسمح للأشعة الشمسية باختراق الغلاف الجوي والوصول إلى سطح الأرض.

 لكن المشكلة تبدأ عندما تصل الأشعة الشمسية إلى الأرض «تمر عبر طبقات تمتصّ الكثير من حرارتها، إلا أن جزءاً من هذه الحرارة يصل إلى الطبقة الأرضية»، وبعد انعكاس جزء من الأشعة نحو الأعلى، تتدخل الغازات الدفيئة الموجودة بكثافة في الغلاف الجوي، وعلى رأسها غاز الكربون، فتمنع نفاذ هذه الأشعة إلى الطبقات العليا. ويقول: «تنحصر الحرارة في الداخل، تماماً كما يحدث عندما تدخل الأشعة الشمسية إلى البيت البلاستيكي، فتنخفض تردداتها وتصبح موجة الضوء أطول، فلا تستطيع أن تنفذ مرة أخرى عبر الزجاج».

لمعالجة هذه المشكلة، يوضح بدوي أن المقاربة العلمية تبدأ بتقليل إنتاج الغازات الدفيئة الناتجة عن الاحتراق. ويشير إلى ضرورة تحسين كفاءة الاحتراق وضبط الغازات المنبعثة من المعامل وعوادم السيارات، معتبراً أن استبدال السيارات التقليدية بأخرى كهربائية خطوة أساسية، إلى جانب الاعتماد على محطات كهرومائية بدل المحطات الحرارية التي تستخدم الوقود لإنتاج الكهرباء، أو الاتجاه نحو الطاقة البديلة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ويؤكد أن الهدف هو «التخفيف ما أمكن من استخدام الاحتراقات لإنتاج الطاقة الكهربائية، وبالتالي تقليل تراكم هذه الغازات في الجو».

وفي الحالات التي لا يمكن فيها السيطرة الكاملة على الانبعاثات، ينتقل بدوي إلى الحل المكمل، وهو الغطاء النباتي، موضحاً أن «إيجاد غطاء نباتي أخضر يمتص غاز الكربون يصبح ضرورة». ويلفت إلى أن المدن تعاني من كثافة السيارات مقابل ندرة المساحات الخضراء، لذلك تعتمد الدراسات البيئية الحديثة للمدن المثالية على زيادة المساحات الخضراء داخل المدن، وخاصة في مدن مثل دمشق وحلب، «فكلما زادت المساحات الخضراء، زاد امتصاص غاز الكربون، ما يساعد على الحد من التلوث وتعديل الجو».

ويشدّد بدوي على أن «الخطوة الأساسية هي تقليل إنتاج الغازات، ثم إيجاد غطاء نباتي واسع ضمن المدينة أو في محيطها»، وهو ما يُعرف بالحزام الأخضر للمدن، معتبراً أن البيئة السورية تساعد على تطبيق هذا الحل. ويرى أن هذه الحلول التمهيدية تفتح الباب أمام الحلول الهندسية والعمرانية الأوسع، التي تهدف إلى التخفيف من حدّة أشعة الشمس وتأثيرها الحراري على المدن.

في هذا السياق، يؤكد بدوي أن المدن تحتاج إلى إعادة تأهيل حقيقي يعتمد على تطبيق العزل الحراري أثناء البناء. ويشرح أن من مواد العزل المستخدمة «طبقة ستيريو بورم، وهي مواد كيميائية فلينية، توضع بين طبقتين من البلوك»، ما يسمح بتحقيق ديمومة أعلى وعزل فعّال للفروقات الحرارية بين الداخل والخارج. ويقارن ذلك بالأبنية القديمة في العهد العثماني، فقد تجاوزت سماكة الجدران 60 سنتيمتراً، ووفرت عزلاً ممتازاً لكنه كان مكلفاً، بينما تسمح الحلول الحديثة بتقليل التكلفة عبر استخدام بلوك حديث يحتوي على مادة رغوية تُخلط مع البيتون، محققة خفة الوزن والعزل الحراري معاً.

أما تهوية المنازل، فيشير بدوي إلى أن الأبنية الطابقية تعتمد غالباً على النوافذ، لكن إغلاقها بسبب الحرارة يفرض الحاجة إلى أنظمة تبادل حراري ومراوح تهوية، ما يضيف أعباء مالية إضافية. لذلك يفضل حلولاً تصميمية بديلة، مثل توجيه النوافذ نحو أفنية داخلية بدل الشوارع، ودراسة اتجاهات الشمس، وإنشاء نتوءات معمارية خارج النوافذ بعمق يتراوح بين 15 و20 سنتيمتراً «تساعد في حجب جزء من الأشعة الشمسية ومنع وصولها المباشر إلى البناء».

في الفضاءات العامة، يستحضر بدوي الحلول التقليدية التي أثبتت فعاليتها، مثل الأسواق المسقوفة في العهد العثماني، كسوق الحميدية في دمشق وسوق المدينة في حلب، والتي سمحت للناس بالبقاء لفترات طويلة دون التعرض المباشر للشمس. ويشير إلى أن هذه الفكرة تطورت حديثاً إلى الأبنية الطابقية التجارية (المولات)، التي تجمع عدداً كبيراً من الخدمات في مكان واحد وتخفف الحاجة إلى التنقل الخارجي. كما يلفت إلى التجربة الصينية، حيث تُقام أسواق ومرافق خدمية تحت الأرض قرب محطات المترو، فتتحول بعض المحطات إلى مراكز خدمية متكاملة تضم أسواقاً ومكاتب خدمية، ما يتيح العمل والتسوق دون التعرض لأشعة الشمس.

وفي ما يتعلق بالتنقل، يقارن بدوي التعامل مع الحر الشديد بالتعامل مع البرد القارس في دول مثل كندا وشمالي أوروبا، عبر تقليل زمن التعرض للظروف القاسية. ويشرح أن الحل يكمن في مرائب تحت الأبنية، ووسائل نقل عامة مكيفة وفعّالة تقلل فترات الانتظار، إذ ينتقل الإنسان من نقطة إلى أخرى بأقل تعرض ممكن للشمس.

 كما يشير إلى تجربة زراعة الأشجار العالية ذات الأوراق الكثيفة، مثل شجر الدلب الآسيوي الذي قد يصل ارتفاعه إلى 30 متراً، حيث تتقارب أغصانه فوق الشوارع لتوفر ظلالاً طبيعية متعددة الطبقات تخفف من حدّة الحرارة.

ورغم كل هذه الحلول، يلفت بدوي إلى أن سكان الأرياف مرشحون لتحديات أكبر من سكان المدن، بسبب طبيعة أعمالهم الزراعية التي تتطلب التواجد في الهواء الطلق، إضافة إلى ضعف تطبيق العزل الحراري في الأبنية الريفية نتيجة الظروف الاقتصادية. ويرى أن مواجهة هذا الواقع تتطلب تدخلاً تشريعياً مباشراً، عبر فرض شروط إلزامية للعزل الحراري في الأبنية الحديثة، على غرار الاشتراطات الزلزالية، إلى جانب دعم الدولة لتحسين مواصفات البناء، وتطوير شبكات النقل العام والمترو، وزيادة المساحات الخضراء داخل المدن ومحيطها.

0-4096×3072-0-0-{}-0-12#

دور الطاقة النظيفة

ولا يمكن فصل التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة عن استخدام الطاقة النظيفة، ومع أن ألواح الطاقة الشمسية تبدو حلاً مناسباً في البيئات الحارة، إلا أنها في الواقع تتأثر سلباً عند الارتفاع الشديد في درجات الحرارة المرتبط بتغير المناخ، فمع أن شدة الإشعاع الشمسي تكون عالية، إلا أن كفاءة تحويل الطاقة تنخفض عندما تسخن الخلايا الشمسية، إذ تفقد جزءاً من قدرتها على إنتاج الكهرباء كلما ارتفعت حرارتها فوق المستوى الأمثل بحسب المهندس الكهربائي صادر صطوف. 

يشرح صطوف تأثير الأسطح الساخنة في المباني على أداء ألواح الطاقة، خاصة في ساعات الذروة الحرارية، لذلك فإن الأداء الجيد يتطلب تصميماً ذكياً يشمل التهوية الجيدة واختيار المواد المناسبة ودمج الحلول العمرانية التي تساعد على خفض درجة الحرارة المحيطة وتحسين كفاءة الإنتاج. 

يقترح صطوف حلولاً مناسبة لطبيعة الطقس في سوريا منها استخدام أنظمة لتبريد الألواح من خلال طلي الأرض بطبقة بيضاء كحل جزئي للحد من امتصاص الأسطح لدرجات الحرارة. ولا ينصح بتبريد الألواح من خلال غسلها أثناء ارتفاع درجات الحرارة، إنما في الصباح أو المساء بهدف تبريدها وتنظيفها من الغبار المتشكل والذي يسهم أيضاً بخفض المردود. 

بما يخص تصاميم إنتاج لوح الطاقة الشمسية، يخبرنا صطوف أن بعض الدول منها ألمانيا بدأت بتوفير شرائح قابلة للطي والالتواء بجهات مختلفة بأسعار منخفضة ويمكن تركيبها بسلاسة على الأسطح.

كما يشير إلى أن أبرز المشكلات التي تواجه مستخدمي ألواح الطاقة الشمسية في سوريا بسبب الارتفاع الشديد بدرجات الحرارة أحياناً تمثلت بذوبان بعض الوصلات البينية وتلف الخلايا السيلكونية، مما خلق فجوة طاقة في وقت تزداد فيه الحاجة للتبريد.

هناك سوء فهم شائع بأن زيادة سطوع الشمس تعني بالضرورة زيادة إنتاج الكهرباء. في الواقع تعمل الألواح الكهروضوئية بناءً على الضوء لا الحرارة. يشرح صطوف آلية الإجهاد تقنيّاً: «تزداد المقاومة الداخلية عندما تسخن الخلية الشمسية، تزداد سرعة حركة الإلكترونيات بشكل عشوائي داخل مادة السيليكون، مما يرفع من المقاومة الكهربائية الداخلية. هذا يؤدي مباشرة إلى انخفاض الجهد الكهربائي (voltage) وبالتالي تراجع القدرة الإجمالية».

تصمم الألواح، وفقاً لصطوف، لتعمل بكفاءة مثالية عند 25 درجة مئوية، مقابل كل درجة حرارة إضافية فوق هذا الحد يفقد اللوح من كفاءته، وفي الظروف المناخية الصيفية قياساً مع العام الماضي تفقد الألواح طاقتها بنسب كبيرة قد تتجاوز الثلثين أحياناً، خاصة مع الوضع التقني للألواح المعتمدة والتي بغالبها أوروبية مستعملة، وهي مصممة للعمل في البيئات الباردة نسبياً. في سوريا تتعرض الألواح للتمدد والانكماش الحراري بين ليل بارد نسبيا ونهار حارق، «ما يؤدي إلى حدوث شقوق مجهرية في خلايا السيليكون مما يجعل عمر المنظومات يقل كثيراً عن العمر المفترض». 

وفيما يتعلق بأوقات العمل في حال تحولت للمساء فإن الطاقة الشمسية لن تفي بالغرض وفق الظروف الحالية، لأن ذلك يتطلب تركيب مدخرات بأعداد وسعات كبيرة لتخزين الطاقة نهاراً، لكن الجدوى الاقتصادية منها تكون ضعيفة خاصة أن بطاريات الليثيوم ذات الجودة الأعلى أسعارها مرتفعة. 

يقول صطوف: «في الوقت الراهن الطاقة الشمسية لا تكفي إلا بأحمال محدودة ويمكن اعتبار التحول للعمل المسائي مجدياً فقط في حال كان مردود المشروع الاقتصادي عالي جداً ليحقق الجدوى الاقتصادية منه». 

تنتشر في الآونة الأخيرة الطاقة الشمسية بشكل كبير في سوريا بسبب ما شهدته البلاد من حرب وانقطاع للكهرباء وتدمير للبنى التحتية وكذلك بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء، لذلك ينصح بترشيد الاستهلاك ومحاولة إطالة عمر البطاريات من خلال الاستخدام الصحيح وعدم تفريغ البطاريات بشكل متكرر. 

لم يعد تغير المناخ مجرد احتمال مستقبلي، بل واقعاً ينعكس مباشرة على يوميات العمل، وفقاً لتجربة أبو محمد و محمد محروس. ومع تحول المرونة في أوقات العمل إلى ضرورة، يتضح أن التكيف الفردي وحده لا يكفي، مالم يدعم بسياسات وتشريعات وتخطيط عمراني يستجيب لهذه التحولات. والسؤال اليوم كما تشير المعطيات لم يعد كيف نواجه الحر، بل كيف نمنع تحوله إلى قيد دائم يهدد قدرة الإنسان على العيش والعمل.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts