سيدة الأرض والأجنحة: حكاية فاطمة سماهين التي هزمت التصحر بالثوب السوداني

 

السودان – ملاذ البدوي

في عام 2050، وبينما يزدحم العالم بنقاشات المناخ الجافة، تغلق الدكتورة فاطمة مصطفى سماهين عينيها في أي غرفة اجتماعات دولية، فلا ترى الجدران الصماء، بل يتجلى أمامها «خريف القضارف» الملموس صورة للخضرة الوفيرة والمراعي التي تضج بالحياة. تقول فاطمة بزهو: «خريف القضارف لا يضاهى، وهو مرساتي التي أرى بها العالم، حتى وأنا في أقصى بقاع الأرض».

خلف وقار التوب السوداني الذي ترتديه في منصات نيويورك وبون كجزء من هويتها وجيناتها الثقافية، تقف مسيرة بدأت بشغف أكاديمي باكر في رحاب جامعة الجزيرة، حيث نالت الماجستير في العلوم الزراعية بتفوق لافت. كانت أحلامها خضراء بقدر حقول القضارف، تطمح للعودة إلى محراب «جامعة الجزيرة» كأستاذة تبذر المعرفة في عقول طلابها، خاصة بعد أن صقلت خبرتها في المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة «ICARDA» بمدينة حلب السورية. لكن الرياح السياسية في عهد نظام عمر البشير كانت تهب في اتجاه معاكس للطموح؛ إذ اصطدمت أحلامها الأكاديمية بجدار «الصالح العام»، ذلك النصل الذي أطاح بالكفاءات وحرمها من حقها في التعيين بالجامعة. هذا الانكسار لم يطفئ شعلتها، بل دفعها لتشق طريقاً مغايراً نحو العالمية، محولةً حرمانها من القاعات الدراسية إلى رسالة تمكين للمزارعات في الحقول.

في مطلع الألفية، أسست منظمة «زينب» لتنمية وتطوير المرأة، تيمناً بوالدتها أول معلمة في الإقليم الشرقي منذ عام 1941. بدأت المنظمة بمواجهة الأمية ومرض الإيدز، قبل أن تدرك فاطمة أن «التكيف المناخي» هو المعركة الوجودية القادمة. بفضل هذا المشوار الطويل، توّجت فاطمة بجائزة «نساء ذوات أجنحة» (Women Have Wings) لعام 2025؛ وعن تلك اللحظة تقول: «كان شعوراً جميلاً أن يكون هناك اعتراف بالمجهودات الكبيرة التي أثرت إيجابياً على النساء وأسرهنّ، وهو بالتأكيد واجبنا تجاه مجتمعاتنا وأوطاننا».

بحلول عام 2050، تجسدت مخاوف فاطمة العلمية التي حذرت منها طويلاً؛ فقد اضطرب نمط الأمطار ليمتد من أبريل وحتى نوفمبر، مما أفسد مواسم المحاصيل النقدية كالسمسم. فاطمة التي كانت تتابع أدق التفاصيل من مكتبها في القضارف خلال رمضان 2023 حين اندلعت الحرب، لم تسمح للظروف بوقف المسيرة. ورغم تحديات النزوح، واصلت إدارة العمل بقوة عبر مكاتب في «كسلا» و«أوغندا» لتكون سنداً للمزارعين. فبعد أن كان عدد المستفيدين في عام 2025 يتراوح بين 50 إلى 60 ألفاً من النساء وصغار المزارعين، تحقق حلمها في عام 2050 ليصل العدد إلى 900 ألف مزارع ومزارعة، يمثلون جيشاً من حماة الأرض.

في حياتها اليومية، تمارس فاطمة طقوساً بيئية صارمة؛ تطفئ الأنوار الفائضة، وتعلم أبناءها أن «التغييرات البسيطة هي التي تحمي الكوكب». بالنسبة لها، التنمية المستدامة ليست أرقاماً، بل هي تلك اللحظة التي تلمس فيها المزارعة تربتها فتجدها قد استعادت خصوبتها بفضل السماد العضوي ووقف قطع الأشجار.

اليوم، في 2050، تقف فاطمة سماهين كرمز للقيادة النسوية التي روّضت قسوة المناخ. القضارف لم تستعد رخاءها القديم بالكامل، لكنها نجت من الهلاك بفضل تلك البذور التي زرعتها فاطمة في «العقول» قبل الحقول، محولةً ضعف المزارعة التقليدية إلى «قوة صمود» ملهمة للعالم أجمع.

 

ينشر هذا المقال بالتعاون مع مشروع غرين بانتر

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
Read More

العراق… نقاط مناخية ساخنة

خالد سليمان   يدخل العراق عصرا مناخيا حرجا إذ يؤثر الاحتباس الحراري العالمي على اقتصاده وإنتاجه الغذائي وظروفه…