لبنان – كلار نبعة
في عام 2050، سيتغير لبنان تماما عن صورته المرهقة والغارقة في النفايات والمشكلات المناخية اليوم. أرصفة الطرقات خالية من الأكياس السوداء، لا مطامر عشوائية، لا نفايات تطفو على سطح الأنهر ومجاري المياه، لا روائح كريهة في الأحياء السكنية. باختصار: لبنان خرج نهائيًا من دوّامة أزمة النفايات المزمنة، وبدل الحلول الطارئة بات يمتلك نظامًا وطنيًا متكاملًا لإدارة النفايات، موزّعاَ على المناطق، يحوّل جزءًا من النفايات ذات القيمة الحرارية العالية إلى مصدر طاقة بديل. وبهذا التحوّل، تراجع التلوّث تدريجيًا، أصبح الهواء أنقى والتربة أقل تلوّثًا، وخفّت الأعباء الصحية المرتبطة بالحرق والطمر العشوائي.
هل يبدو ذلك بالنسبة إليك غير واقعي؟ هذا التصوّر، الذي ينطلق من واقع أزمة مزمنة فشلت الحلول الترقيعية في معالجتها على مدى سنوات طويلة، ليس طرحاً خياليًّا، غير أن محدودية التجارب القائمة، إلى جانب العوائق التشريعية والإدارية، لا تزال تعيق الوصول إلى حلول شاملة. وفي تقييمه لهذا المسار، يؤمن الخبير في شؤون الطاقة المستدامة ومعالجة النفايات المهندس ربيع الأسطا بأن هذا الخيار واقعي، من خلال ربط ملف النفايات بقطاعات إنتاجية وتحويل جزء منها إلى وقود مشتق من النفايات، ضمن خطة وطنية شاملة.
لماذا يحتاج لبنان إلى خطة وطنية شاملة لمعالجة النفايات؟
ما يُطبَّق اليوم لا يتعدّى كونه حلولًا ترقيعية تعيد إنتاج الأزمة نفسها في كل مرة، فبدل الخروج من منطق إدارة الطوارئ، يُعاد اللجوء إلى الإجراءات ذاتها، ما يُبقي البلاد في حلقة مفرغة. ويُعدّ الطمر أسوأ طرق معالجة النفايات، إذ يؤدي إلى تلوّث الهواء نتيجة الانبعاثات والحرائق العشوائية، وإلى تلويث المياه الجوفية عبر العصارة، وهي مادة شديدة التلوّث تنتج عن تحلّل النفايات وتخترق التربة بسهولة. هذا المسار يفاقم المخاطر الصحية والبيئية في آن واحد، ولا يمكن الاستمرار به. من هنا، تبرز ضرورة الانتقال إلى خطة واضحة تقوم أساسًا على تقليص كميات النفايات التي تذهب إلى الطمر، ومعالجتها ضمن إطار مستدام.
ثلاث مسارات
تقوم الخطة على ثلاثة مسارات متكاملة: أولًا، رفع نسبة إعادة التدوير إلى ما لا يقل عن 15 في المئة من إجمالي النفايات، ما يساهم في تقليص كمية النفايات وتأمين موارد تشغيلية من بيع المواد القابلة للتدوير. ثانيًا، فصل النفايات العضوية التي تشكّل نحو 45 في المئة من النفايات، وتحويلها إلى كومبوست للاستخدام في الحدائق العامة والخاصة وحدائق البلديات. ثالثًا، استثمار نحو 25 في المئة من النفايات ذات القيمة الحرارية العالية لإنتاج الوقود المشتق من النفايات (RDF) واستخدامه في معامل الإسمنت بدل الفيول أو كوك النفط. الجمع بين هذه المسارات يسمح بخفض الطمر إلى نحو 15 في المئة فقط.
وينتج لبنان نحو 5000 طن من النفايات يوميًا، أي حوالى مليون و800 ألف طن سنويًا. تحويل نحو 25 في المئة من هذه الكمية إلى وقود مشتق من النفايات يعني إنتاج حوالي 450 ألف طن سنويًا من الـRDF. وبما أن القيمة الحرارية للـRDF تعادل نحو 50 في المئة من قيمة الفيول، فإن هذه الكمية تعادل حوالى 225 ألف طن من الفيول، وهي قادرة نظريًا على إنتاج نحو مليون ومئتي ألف طن من الإسمنت سنويًا، ما يوازي مجمل الحاجة المحلية.
التمويل والمعايير الدولية
التمويل ليس التحدي الأساسي، إذ إن الأموال التي تمّ إنفاقها سابقًا على ملف النفايات تفوق المعايير العالمية لكلفة معالجة الطن الواحد. التحدي الحقيقي تشريعي، ويتطلب إقرار قوانين واضحة: أولها قانون يُلزم مصانع الإسمنت باستخدام الوقود المشتق من النفايات بدل كوك النفط، وثانيها قانون يسمح للبلديات بفرض رسوم محلية بسيطة على السكان لتمويل جمع ومعالجة النفايات، بما يتيح لعدة بلديات أن تتعاون في إنشاء معامل (نحو 25 معملًا في لبنان) قادرة على معالجة ما يقارب 200 طن يوميًا لكل معمل، ضمن إطار لامركزي واضح.
بيئيًا، يخضع هذا الخيار لمعايير دولية صارمة، أبرزها المعيار الأوروبي EC 98/2008، الذي يفرض رقابة مستمرة على الانبعاثات. تنظيميًا، يتطلب إنشاء المعامل الحصول على التراخيص اللازمة، وإجراء تقييم للأثر البيئي، وتحديد مسافات فاصلة عن المناطق السكنية. كما يجب اعتماد أنظمة تشغيل تمنع تكدّس النفايات والروائح الناتجة عنها، واستخدام تقنيات فرز متطورة ترفع نسب إعادة التدوير وتضمن جودة النفايات العضوية.
الفوائد المتوقعة من هذه الاستراتيجية؟
الفائدة الأولى بيئية، من خلال تقليص الطمر وخفض الانبعاثات والتخفيف من تلوث الهواء والمياه الجوفية. هذه الاستراتيجية يمكن أن تضع لبنان ضمن مصاف الدول التي تعالج نفاياتها بطريقة سليمة. إلى جانب ذلك، هناك أثر اقتصادي يمكن أن ينتج عن إنشاء نحو 25 معملًا لمعالجة النفايات، إذ يحتاج كل منها إلى ما لا يقل عن 20 عاملًا، إضافة إلى فرص العمل غير المباشرة في النقل وتجهيز أفران معامل الإسمنت.
في عام 2050 أرى لبنان شبيهًا بقصص النجاح اللبنانية في الخارج: مركزًا للتكنولوجيا، سبّاقًا في معالجة النفايات، وإنتاج الطاقة البديلة، والذكاء الاصطناعي. وعلى المدى الأقرب، أرى معامل فرز متطورة مدمج فيها الذكاء الاصطناعي والمجسات الذكية، وتعتمد الطاقة النظيفة مثل الهيدروجين الأخضر، لتصبح التقنيات المتاحة اليوم جزءًا أساسيًا من إدارة النفايات في لبنان. ولنرى لبنان في الموقع الذي نريده، حان الوقت لقرع جرس الإنذار للحاق بقطار التكنولوجيا. نحتاج فقط إلى رؤية واضحة، ودعم، ومؤسسات حكومية تحدد الاتجاه وتوفّر الحوافز.
تم نشر هذا المقال بالتعاون مع مشروع كرين بانتر