البصرة – نغم مكي
على ضفاف شطّ العرب، أي النهر الذي يتشكّل من التقاء نهري دجلة والفرات، وتحت الجسر الإيطالي في مدينة البصرة العراقية، يقفُ مازن النايف بملابسه القطنية البيضاء التي تُعرف بـ «الرستة» دلالةً على طهارة الروح من الآثام، وعمامته التي يستقر تحتها «التاغ» (التاج). الزعيم الديني للمندائيين في البصرة، يُمسك أيضاً بـ «المركنة»، تلك العصا الطويلة المصنوعة من خشب الزيتون التي يستخدمها في طقوس التعميد التي تتطلّب الغطس الكامل للجسد في النهر.
يرتدي المندائيون خلال أداء طقوسهم «البرونايا»، وهي ملابس مصنوعة حصراً من القطن، ويُلفّ وسط الجسد بـ «الهميانا» وهو حزام مغزول يدويّاً من الصوف. ولكل قطعة من هذا الزي رمزية توارثوها عن أسلافهم الأوائل الذين يشكّلون مكوّناً تاريخياً أساسياً من سكّان وادي الرافدين.
تعدّ الديانة المندائية واحدة من الديانات التوحيديّة، ويتّبع أبناؤها كتاب «كنزا ربا» المقدّس، وكتب أخرى. في العراق، تناقصت أعداد المندائيين تدريجياً عبر عقود طويلة، أكان بسبب الاعتداءات التي تعرّض لها أبناء الديانة على يد بعض الجماعات الطائفية المسلّحة في العراق، خلال السنوات الماضية، أم بسبب الهجرات إلى بلدان عدّة من بينها السويد وأستراليا والولايات المتّحدة الأميركية وكندا.
واليوم، بالتزامن مع تفاقم أزمة المناخ، والجفاف الناتج عنها، وتزايد ملوحة شط العرب، يواجه هذا المجتمع سؤالاً وجودياً مرعباً، كيف تمارس إيمانك عندما يختفي الماء؟ خصوصاً إذا كان لا يمكن للروح أن تتطهر إلا بملامسة «الماء الحي» أو الجاري، وفق تعاليم الطائفة.

أدّت التغيّرات المناخية، والتلوّث مجدّداً، إلى هجرة متزايدة للصابئة المندائيين، فبينما كان عددهم يتجاوز 60 ألف عام 2003، تشير الإحصاءات إلى أنّ عددهم في العراق بلغ بحلول سنة 2024، حوالي 7000 إلى 10000 آلاف شخص، يتوزّع معظمهم جنوبي العراق في البصرة وميسان وبغداد. بالطبع يلحظ النايف هذا التناقص بأعداد المندائيين، فبعدما كان يرى حوله نحو 10,000 مندائي، لم يتبق اليوم سوى قرابة 2,500 شخص.
يضع النايف إكليل الآس على جبينه بعد أن يُشده في خنصره الأيمن، ويبدأ بممارسة طقوس التعميد وسط صلوات بلغة مندائية قديمة، حيث يُغمس المؤمنون في الماء ثلاث مرات.
بالنسبة للمندائيين الصابئة الماء ليس مجرد عنصر طبيعي، بل هو جوهر الخلق وروح الكون والوسيط الوحيد بين الإنسان والخالق. منذ آلاف السنين، مارس أتباع هذه الديانة القديمة طقوس التعميد في المياه الجارية معتقدين أن الماء الحي وحده قادر على تطهير الروح والجسد.
النايف الذي يبلغ من العمل 55 عاماً، يعد الزعيم الديني للمندائيين في محافظة البصرة، وقد وصل إلى هذه المكانة عبر مسار ديني طويل يقوم على العلم والانضباط والالتزام. بدأ رحلته بدراسة النصوص المقدسة واللغة المندائية وتعلّم الطقوس الأساسية التي تُشكل جوهر الحياة الدينية، مثل طقوس التعميد والصلوات ومراسم الزواج والوفاة بالإضافة إلى تعمّقه في فهم العقيدة ومعاني الرموز الروحية.
خضع النايف لإشراف رجال دين كبار تابعوا تقدمه العلمي والعملي وقيموا مدى التزامه الأخلاقي والديني على مدى سنوات من الدراسة والاجتهاد. لم يكتف بالحفظ أو المعرفة النظرية، بل طُلب منه تطبيق ما تعلّمهُ عملياً، حيث أدّى الطقوس أمام المشايخ وأختبر في قدرته على إدارتها بشكل صحيح، وقراءة النصوص الدينية بدقة، وشرح معانيها وتفسيرها شفهياً.

هذه الاختبارات العملية والشفوية والتطبيقية امتدّت على مراحل طويلة حتى أثبت أهليته لتحمل المسؤولية الدينية وخدمة المجتمع عبر العمل الصالح ومساعدة المحتاج وأداء الطقوس الدينية لكل من يحتاج هذه الطقوس. وعندما نجح في اجتياز هذه المراحل، نُصب رسمياً منذ أربع سنوات في رتبة دينية من خلال طقس خاص، واعتُرف به كرجل دين مؤهّل، قادر على أداء الشعائر وتعليم الآخرين وقيادة الطقوس الدينية.
في حديثنا معه، يخبرنا مازن عن العلاقة بين الدين والماء، فيقول: «خلال سبعينيات القرن الماضي، كان «شط العرب» يتدفّق بقوة تصل إلى 350 متراً مكعباً في الثانية، وفي مواسم الفيضانات كان التدفق يصل إلى أكثر من 500 متر مكعب بالثانية، بل وأحياناً إلى 1000 متر مكعب. كانت المياه العذبة تندفع إلى داخل الخليج العربي لمسافة تتجاوز 5 كيلومترات على ضفتي النهر، حيث كانت بساتين النخيل تمتد كسجادة خضراء، وكانت المياه نقية لدرجة أن العائلات كانت تشرب منها مباشرة».
العلاقة بين الدين والماء هي علاقة أزلية تحمل بعداً روحانياً، كما يشير النايف، مضيفاً «نحن نعتبر الماء أساساً ليس للحياة فحسب، وإنما أساس تكوين الكون». كان المندائيون يمارسون طقوسهم على ضفاف نهر الطويسة وأنهار أخرى في البصرة، حيث كانت المياه صالحة للتعميد في حالات الولادات الجديدة، والزواج، والطقوس الدينية الأخرى.
كل يوم أحد، كانت العائلات المندائية تتجمع عند النهر، الرجال يرتدون ثيابهم البيضاء البسيطة، والنساء يحملن أطفالهن الرضع للتعميد. كان الماء بارداً ونقياً، يتدفق بقوة كافية لإحداث صوت خرير هادئ، رجال الدين كانوا يغمسون المؤمنين في الماء ثلاث مرات، مرددين الصلوات بلغة مندائية قديمة، بينما كانت أشعة الشمس تتراقص على سطح الماء.
يواجه هذا الإرث الروحاني اليوم كارثة بيئية يصفها النايف بالأليمة، فشط العرب الذي كان يتدفق بنقاء، تحول إلى مياه ملوثة وصلت ملوحتها في مركز البصرة إلى 20,000 ملليغرام لكل ليتر، وهو مستوى يقارب نصف ملوحة مياه البحر وما يزيد الطين بلة هو تلوث 600 نهر فرعي في محافظة البصرة، تحول أغلبها إلى مكبات للنفايات والمجاري، من بينها نهر الطويسة.

هذا الواقع دفع المندائيين لاتخاذ خطوة غير مسبوقة ببناء «المندي» أمام شاطئ الطويسة. المندي هو المكان المخصص لأداء مناسك العبادة وإقامة المراسيم الدينية، وقد صُمم ليضمّ أحواض صناعية تضمن جريان الماء وتبدّله المستمر لسدّ النقص في المياه النظيفة، ورغم أنّ هذا الحل «حي» شرعاً، إلا أن النايف يعترف بحسرة «القدسية على الشط لها الدرجة الأولى، وهذه مرحلة ثانية».
هذا التكيف المرير لم يمنع تضاؤل أعداد أبناء الطائفة، ولا احتمالية تضاؤلها في المستقبل. عندما ينظر النايف إلى أفق عام 2050، لا يرى سوى ملامح النهاية لوجود طائفته في العراق إذا استمر الجفاف، يقول بوضوح: «ستحدث هجرة جماعية، سنبحث عن ماء في الدول المجاورة». بالنسبة له، غياب النهر يعني غياب القدرة على ممارسة الركن الأساسي للدين. وفي محاولة أخيرة للتمسك بالأرض، يطرح فكرة حفر الآبار واستخدام المضخات كبديل لاستخراج مياه جوفية تُعتبر «حية» وفق المعتقد، بينما يجلس اليوم على حافة حوضه الصناعي، يراقب تدفق الماء مسترجعاً شعور الطهارة الكاملة التي كان يمنحها النهر القديم، مدركاً أن مصير شعبه بات معلقاً بقطرة ماء وجدوى الاتفاقيات الدولية التي قد تعيد الحياة لشط العرب.
- يُنشر هذا المقال ضمن مشروع “غرين بانتر” بالتعاون مع مؤسسة “تاز بانتر“