السليمانية – بوار قادر
في صباح شتوي قارص البرودة، وبينما كانت الشمس تبزغ لتوها من خلف الجبال المكسوة بالأشجار، يظهر “ريبوار كمال” بزيّه الكردي الأصيل، حاملاً حقيبة مليئة ببذور أشجار المنطقة. يتسلق الجبل ببطء، ومع كل خطوة أو خطوتين، يغرس بذرة بلوط في قلب التراب.
بالنسبة لريبوار، ليس هذا مجرد زرع شجرة؛ بل هو زرع للحياة في عروق الجبال. يؤمن يقيناً بأن “حماية الغابات القائمة أغلى بكثير من غرس أشجار جديدة”. يقف عند سفح الجبل، يرمق القمم والأشجار بنظرة فاحصة؛ فصمت الجبال وثبات أشجار البلوط يمنحانه القوة لمواصلة معركته من أجل الخضار والبيئة.
ريبوار كمال أحمد، من سكان قضاء “بنجوين” التابع لمحافظة السليمانية، يبلغ من العمر 47 عاماً، وهو طالب في المرحلة الأخيرة بقسم هندسة الغابات بجامعة “سنه” في إيران. ولد في قرية تحيط بها الجبال، حيث كانت الغابات والجداول والينابيع جزءاً لا يتجزأ من طفولته وتكوينه. هذا الارتباط المباشر بين الشجر والتراب كان الحجر الأساس للطريق الذي يسلكه اليوم.
تعد بنجوين بلدة حدودية صغيرة مع إيران، تابعة لمحافظة السليمانية في إقليم كردستان العراق. تبلغ مساحتها الإجمالية 1140 كيلومتراً مربعاً، وتغطي الغابات الطبيعية نحو 570 كيلومتراً مربعاً منها، أي ما يعادل نصف مساحتها الكلية تقريباً. وتشكل الأراضي الزراعية نسبة 7% من هذه المساحة، بينما تتوزع النسبة المتبقية بين مركز البلدة، والقرى، والأنهار، والطرق.
“كان جدي يقول دائماً: شجرة البلوط تعيش عمر ولد”، هكذا يستذكر ريبوار أهمية هذه الشجرة، مؤكداً أن هذه الحكمة لا تزال حية في وجدانه وتوجه خطواته.

بين عامي 2003 و2006، كان ريبوار يمتلك استوديو للتصوير الفوتوغرافي، ومن هناك بدأ بتوثيق جمال طبيعة منطقته. لكن صوره لم تكن تظهر الجمال فحسب، بل بدأت برصد التغيرات القاسية؛ جفاف الينابيع، انحسار الغابات، والحرائق المتكررة. في عام 2013، ومع اشتداد آثار التغير المناخي وتلوث البيئة، أدرك أن التصوير وحده لم يعد كافياً؛ كان لا بد من الانتقال إلى الفعل الميداني.
بعد عامين من النشاط البيئي الفردي، أسس ريبوار مع مجموعة من المتطوعين منظمة “ملەكەوە” (Mlakawa)، وهي منظمة طوعية لحماية الغابات والبيئة، استمدت اسمها من جبل شامخ في المنطقة. يقول ريبوار: “منذ تلك اللحظة، تحولت حياتي إلى معركة مستمرة ضد الحرائق، وتدمير الغابات، وغياب المسؤولية البشرية”.
حتى الآن، نفذت المنظمة أكثر من 350 نشاطاً للتوعية البيئية في المدارس والقرى والمساجد. كما شارك الفريق مئات المرات في إخماد حرائق الغابات والأراضي الزراعية، وهي مهام محفوفة دائماً بخطر الموت.
يتذكر ريبوار المرة الأولى التي واجه فيها النيران؛ كان ذلك ليلاً، وسط ظلام دامس لا يقطعه إلا لهيب النار وأصوات تكسر الأشجار المحترقة. رغم الخوف الذي تملكه، رفض التراجع: “في تلك الليالي تعلمت أن التطوع يعني أن تضع حياتك على المحك من أجل شيء يمنح الحياة للآخرين دون أن تراه أو تشعر به”.
واجه ريبوار الموت مرات عدة؛ ذات ليلة صيفية حارقة، انقطع به السبل بلا ماء وضاع عن فريقه في أحراش الجبال. وفي مرة أخرى، تاهوا في الظلام ولم يكن سوى صوت النيران ووهجها دليلاً لهم. لكن التجربة الأقسى كانت فقدان اثنين من زملائه المتطوعين العام الماضي؛ لم يكونا مجرد زملاء، بل كانا بمثابة إخوة له. يقول بغصة: “حينها تعلمت أن حماية البيئة قد تُدفع ضريبتها أحياناً من الحياة نفسها”.
لكن وسط هذه الآلام، يلوح أمل كبير؛ وهو التغيير في عقلية الناس. القرى التي كانت تغلق أبوابها في وجوههم وترفض مساعدتهم، أصبحت اليوم تشارك بفاعلية في إخماد الحرائق. حتى الصيادون الذين كانوا يطاردون الحيوانات البرية، صاروا اليوم رفاقاً يحمون الغابة وكائناتها. “أكبر نصر لي ليس عدد الأشجار التي أنقذناها، بل عدد العقول والقلوب التي تغيرت”، يقول ريبوار.
اليوم، ارتفع عدد متطوعي منظمة “ملەكەوە” من 5 أشخاص إلى 45 متطوعاً. وعلى مدار سنوات، نجحوا في حماية أكثر من 200 ألف دونم من الغابات والأراضي الزراعية من الحريق. يمتلك ريبوار ذاكرة مثقلة بـ 250 حريقاً، ولكل حريق قصة من الألم واللهيب والرماد الذي طال الشجر والحيوان.
بالنسبة لريبوار، عام 2050 ليس مجرد حلم، بل هو وعد. يعلم أن الحرائق قد لا تتوقف، لكنه يطمح بالوصول إلى يوم يصبح فيه الناس أنفسهم هم “المنقذون”، بحيث لا يحتاجون إليه أو لمنظمته لحماية غاباتهم.
يختم ريبوار قوله: “إذا بقيتُ على قيد الحياة حتى عام 2050، ورأيت اليوم الذي لا يعود فيه لوجودي أو لمهمتي حاجة، فسيكون ذلك هو النجاح الأكبر؛ لأن الغابات حينها ستعيش وتزدهر بسواعد أهلها”.
إنه يعمل كي لا تحترق الغابات بالنيران، بل لتبقى شامخة بفضل المتطوعين.
يُنشر هذا المقال ضمن مشروع “غرين بانتر” بالتعاون مع مؤسسة “تاز بانتر”