لبنان – ربى أبو عمو
“كأنّها في شرفة المنزل”… هكذا يتحدّث كثير من اللبنانيين عن “أم كامل”، تلك “الشخصية الإلكترونية الذكية” التي تمضي ساعات طويلة يومياً في شرفات منازلهم، وغرف نومهم، ومعيشتهم، وفي أعمالهم وسهراتهم وكل تفاصيل حياتهم اليومية خلال الحرب الإسرائيلية الحالية على لبنان. شريكة اللحظات الحلوة والمرة، لكن ليس عن طيب خاطر. فهي ليست كمن يحشر أنفه فقط، بل كمن يُعرّيك يومياً ويزعجك بصوتٍ أشبه بطنين ذباب لا يكلّ. ويبدو لفظ “أم كامل” أكثر لطفاً وقرباً، كأنّه يجسّد تلك المرأة الجالسة في الشرفة، تعدّ المجدّرة مع سلطة الحشائش وتراقب تفاصيل الحيّ كلّه. وربما كانت هذه التسمية أيضاً طريقة شعبية ساخرة للتأقلم مع انتهاكات إسرائيلية يومية للخصوصية.
تعود التسمية إلى الأحرف الأجنبية “MK” (IAI Heron MK) المرتبطة باسمها، والتي تحوّلت مع الوقت إلى “أم كامل” على ألسنة الناس. غير أنّ حقيقتها أكبر بكثير من مجرّد اسم شعبي أو نكتة يومية. إنّها طائرة إسرائيلية مسيّرة ذكية تحلّق لساعات فوق المدن والأحياء اللبنانية، وهي مزوّدة بكاميرات عالية الدقّة وأنظمة مراقبة متطوّرة قادرة على رصد الحركة والتفاصيل من ارتفاعات بعيدة.
تتابع الطرقات، والأسطح، والسيارات، وحركة الناس، وتنقل الصور والبيانات مباشرة إلى غرف التحكّم. ومع تكرار ظهورها اليومي في السماء، بات صوتها ومشهدها مألوفين لدى اللبنانيين، حتى أصبحت جزءاً من المشهد اليومي، كأنّها تراقب الحياة من شرفة إلكترونية مفتوحة فوق الجميع.
تتحدّث ندى عن إحساس شبه يومي بالغضب بسبب وجود الطائرة المسيرّة في الأجواء يومياً، حيث تعيش في منطقة فرن الشباك في بيروت، فتقول: “ثمة كائن أشعر برغبة في إسكاته. أحياناً أحرّك يدي تلقائياً وكأنني سأسكته، لكن يمر الوقت ونحن مجبرون على تحمّل الصوت”. وتضيف: “في بعض الأحيان، نشعر أنّها ستنام إلى جانبنا لشدة قوة الصوت، ونخشى أن يكون خلف ذلك ما هو أقسى من الرقابة والانتهاك المستمرَّين، أي استهداف أو تفجير ما”. لا تعتقد أنّه يمكن الاعتياد على هذا الضجيج، لكن “أحياناً هذا ما نحاول قوله لأنفسنا لنكون قادرين على الاستمرار وسط الكمّ الكبير من الضجيج اليومي”.
لا تميّز الطائرات المسيّرة بين منطقة وأخرى في لبنان، بل تستمرّ في التحليق لساعات يومياً في مختلف المناطق. في هذا السياق، يقول رئيس مكتب الاستدامة في “الجامعة اللبنانية الأميركية”، نديم فرج الله، إنّ مستوى الضوضاء الصادر عن الطائرة المسيّرة على ارتفاع متوسط يبلغ حوالي 85 ديسيبل، وهو مستوى مرتفع جداً ومزعج في بيئة حضرية سكنية، خصوصاً إذا كان التعرّض له شبه مستمرّ لمدّة تتراوح بين ست وثماني ساعات يومياً. ويضيف أنّ هذا التعرض المطوّل قد يؤدي إلى التوتر والقلق واضطرابات النوم وضعف التركيز والإنتاجية وارتفاع مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية، ومع مرور الوقت قد يسبب آثاراً مرتبطة بالسمع. ويوضح أنّ ضوضاء الطائرات المسيّرة تُعد مزعجة بشكل خاص بسبب طابعها الطنّان المستمر، وما يرتبط به من ضغط نفسي ناتج عن وجودها الدائم فوق الرؤوس. كما يشرح أنّ ضوضاء الطائرات المسيّرة تختلف نفسياً عن الضوضاء الحضرية العادية، لأنّ صوت الطنين المستمر يصعب تجاهله أو التكيّف معه، وغالباً ما يرتبط بالمراقبة أو التهديد أو الخطر.
هذا الإحساس بالتهديد هو ما يشعر به مجد كلّما بدأ الطنين. الشاب الذي يسكن في منطقة البسطة في بيروت، يعجز عن تفسير مشاعر الانتهاك هذه، على عكس مشاعر الخوف التي لا يستطيع التخلص منها طالما يسمع صوتها في السماء. ويصعب، كما يقول، التكيّف مع هذه المشاعر، فوجودها في السماء يعني تحضيراً لما قد يحدث اليوم أو غداً أو في وقت لاحق. لكن دورها ليس مجرّد نزهة في السماء.
يثير الاستخدام المستمرّ للطائرات المسيّرة فوق المناطق السكنية إشكاليات قانونية مرتبطة بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، خصوصاً عندما تُستخدم لأغراض المراقبة أو العمليات العسكرية في أجواء مدنية. فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين من الأعمال التي تزرع الخوف أو التهديد الدائم، كما تنصّ المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حماية الأفراد من التدخل التعسفي في حياتهم الخاصة وبيوتهم.
ويختلف تأثير الضجيج السمعي للطائرات المسيّرة من شخص إلى آخر، إذ يرتبط بالمغزى من وجودها. هذا ما توضحه المعالجة النفسية دانيا بشناتي، التي تقول إنّ ردّات الفعل تجاه صوت الطائرات المسيّرة تختلف من شخص إلى آخر، ومن فئة عمرية إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، لأنّ الناس لم تعش الحرب بالطريقة نفسها. وتوضح بشناتي أنّ الأشخاص الذين عاشوا القصف أو التهجير أو خسروا منازلهم وأرزاقهم ومدارس أولادهم، لا يسمعون هذا الصوت كصوت عادي، بل كتهديد مستمر وتذكير دائم بأنّ حياتهم ما زالت غير مستقرة وأنّهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة الأمان الحقيقي. وتشير إلى أنّ هناك مناطق لم تتعرّض بشكل مباشر للخطر أو القصف، لذلك اعتاد سكانها على صوت الطائرات المسيّرة وأصبح بالنسبة لهم أشبه بصوت مروحية عادي لا يثير القلق. أمّا في المناطق التي شهدت الحرب أو التهجير – كما في مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت – فالأمر مختلف تماماً، لأنّ هذا الصوت يرتبط بالخوف، بالمراقبة، وبإمكانية حدوث خطر في أي لحظة.
وتلفت بشناتي إلى أنّ هذا التأثير لا يقتصر على الكبار فقط، بل ينعكس بشكل كبير على الأطفال أيضاً، لأنّ الطفل كلّما حاول العودة إلى حياته اليومية أو نسيان أجواء الحرب، يعيده صوت الطائرات المسيّرة إلى مشاعر الخوف وعدم الأمان. فالصوت بالنسبة لهؤلاء الأطفال ليس مجرد ضجيج، بل تذكير نفسي دائم بالحرب وبالقلق الذي عاشوه.
وعادة ما يقيس الخبراء ضوضاء الطائرات المسيّرة أو النشاط العسكري باستخدام أجهزة قياس صوت مُعايرة تسجّل مستويات الضوضاء بالديسيبل على مدى الزمن. ولا يقتصر التقييم على شدة الصوت فقط، بل يشمل أيضاً مدة التعرض والتردد والانقطاع والقرب من المناطق المأهولة، ثم تُقارن النتائج بالإرشادات الصحية الدولية لتقييم التأثيرات المحتملة. إلا أنّ القدرة على التحمل تختلف من شخص إلى آخر؛ فبينما قد يكون وجودها وصوتها أكثر حضوراً لدى البعض، قد ينساها آخرون رغم صوتها الواضح وربما الجهوري في السماء.
بعيداً عن البشر، تمتدّ آثار ضوضاء الطائرات المسيّرة إلى الحيوانات والحياة البرية أيضاً. وبما أنّه لا يمكن إجراء مقابلات معها، فإنّ تتبّع حركتها وحده سيهبرنا بالكثير. فبحسب فرج الله، تُعتبر الطيور والحيوانات المنزلية حساسة بشكل خاص لصوت الطنين المستمر، وقد تظهر عليها علامات القلق أو الارتباك أو تجنّب الموائل.
من جهته، يقول رئيس جمعية “حماية الطيور في لبنان”، فؤاد عيتاني، إنّ الحديث عن تأثير الطائرات المسيّرة في لبنان لا يمكن فصله عن الموقع الجغرافي للبلاد، إذ يُعتبر لبنان واحداً من أهم ممرات هجرة الطيور في العالم، نظراً لوقوعه على مسار شرق المتوسط، الذي يُعد ثاني أهم مسار عالمي لهجرة الطيور بعد المسار الأميركي بين الشمال والجنوب. ويشرح أنّ ملايين الطيور تعبر الأجواء اللبنانية سنوياً، بعضها يهاجر فقط، وبعضها الآخر يتوقّف للاستراحة والتغذية، فيما تتكاثر أنواع معيّنة داخل الأراضي اللبنانية أو تقضي فيها مواسم كاملة. ويؤكد أنّ هذه الطيور لا تشكّل مجرد مشهد طبيعي عابر، بل تؤدي دوراً بيئياً أساسياً داخل النظام البيئي، من خلال مكافحة الحشرات والقوارض، والمساهمة في نقل البذور، والحفاظ على التوازن الطبيعي.
يشرح عيتاني أنّ بعض الطيور قد تهجر أعشاشها بسبب الإزعاج المتكرّر الناتج عن الطائرات المسيّرة، أو تبتعد عن فراخها لفترات طويلة، ما يؤدّي إلى انخفاض فرص بقاء الصغار على قيد الحياة أو فشل عمليات التكاثر بالكامل. ويضيف أنّ التأثير لا يقتصر على الطيور الصغيرة، بل يشمل أيضاً الطيور الجارحة، مثل النسور وبعض الأنواع الكبيرة التي قد تعتبر الطائرة المسيّرة جسماً معادياً أو طائراً مفترساً يقترب من العش أو الفراخ، فتقوم بمهاجمته مباشرة، الأمر الذي قد يؤدي إلى إصابتها بشفراتها أو تعرّضها للارتطام.
غير أنّ حجم التأثير يختلف بحسب البيئة التي تعيش فيها الطيور. فالطيور الموجودة في المدن أو المناطق الزراعية المعتادة على الضجيج وحركة البشر والآليات الزراعية قد تكون أقل تأثّراً نسبياً، لأنها اعتادت على مستويات مرتفعة من الأصوات والحركة، بحسب عيتاني. أما الطيور الموجودة في الغابات المعزولة أو المناطق النائية أو الأراضي الرطبة، فهي أكثر حساسية تجاه أي صوت غريب أو حركة غير مألوفة في بيئتها الطبيعية. وهنا يؤكّد أنّ الطائرات المسيّرة قد تسبّب لهذه الطيور حالة من التوتر والضغط تدفعها إلى الابتعاد عن أماكن تعشيشها أو تغيير سلوكها الطبيعي بالكامل.
كما يلفت إلى أنّ المشكلة لا تتعلق فقط بالتعشيش، بل أيضاً بمسارات الهجرة الطويلة. فالطيور المهاجرة تحتاج خلال رحلاتها إلى أماكن آمنة للتوقف والراحة والتغذية، حتى تتمكّن من تخزين الطاقة اللازمة لمتابعة رحلتها، خصوصاً عند عبور البحر أو المسافات الطويلة. وإذا تعرّضت هذه المحطات للإزعاج المستمر بسبب الطائرات المسيّرة أو الضجيج، فقد تضطر الطيور إلى المغادرة قبل الحصول على الطاقة الكافية، ما قد يؤدي إلى إنهاكها أو نفوقها خلال الرحلة. ويشير أيضاً إلى أنّ بعض أنواع الطيور تهاجر خلال الليل لتجنب الحرارة أو الحيوانات المفترسة أو الصيادين، ما يجعل احتمال اصطدامها بالطائرات المسيّرة وارداً، خاصة إذا لم تتمكّن من رؤيتها أو تفاديها أثناء الطيران الليلي. ويؤكد أنّ هذه التأثيرات قد تكون مباشرة أحياناً وغير مباشرة أحياناً أخرى، لكنها تتراكم مع الوقت وتنعكس على سلوك الطيور وأعدادها ومساراتها.
في دراسة بعنوان “Impact of Drone Disturbances on Wildlife: A Review” نُشرت عام 2025 في مجلة Drones العلمية، راجع الباحثون عشرات الدراسات المتعلقة بتأثير الطائرات المسيّرة على الحيوانات البرية، وخلصوا إلى أنّ الضوضاء والاقتراب المتكرر من الموائل الطبيعية قد يسبّبان اضطرابات سلوكية وفسيولوجية لدى الطيور والحيوانات، مثل الهروب، وترك الأعشاش، وارتفاع مستويات التوتر، وتغيّر أنماط التغذية والتكاثر.
كما تناولت دراسة أخرى بعنوان “Unveiling the Impact of Drone Noise on Wildlife: A Crucial Research Imperative” نُشرت عام 2024، التأثير النفسي والسلوكي لضوضاء الطائرات المسيّرة على الحيوانات، مشيرة إلى أنّ الطنين المستمر قد يغيّر سلوك بعض الأنواع ويزيد من استنزاف الطاقة لديها، خاصة خلال فترات التعشيش والهجرة. ولفتت الدراسة إلى أنّ بعض الطيور تصبح أكثر حساسية خلال مواسم التكاثر أو عند حماية الفراخ والأعشاش، ما يجعل تأثير الطائرات المسيّرة أكثر خطورة في هذه الفترات.
ورغم عدم وجود دراسات تفصيلية واسعة في لبنان حول تأثير الطائرات المسيّرة تحديداً، يقول عيتاني إنّ الملاحظات الميدانية بدأت تُظهر مؤشّرات مقلقة، مثل تغيّر سلوك بعض الطيور أو تبدّل أماكن توقفها أو انخفاض أعدادها في بعض المواقع. ويشرح أنّ التأثير قد يكون أكثر وضوحاً على الطيور المقيمة أو الأنواع التي تتكاثر داخل لبنان، لا سيما تلك التي تعتمد على موائل هادئة وثابتة نسبياً.
ويتوقف عيتاني عند الطيور الحوّامة، مثل النسور والبجع واللقالق، موضحاً أنّ هذه الأنواع تعتمد خلال هجرتها على التيارات الهوائية الصاعدة، وتسلك مسارات محددة بين الجبال والساحل لتتمكن من التحليق لمسافات طويلة بأقل جهد ممكن. ويشير إلى أنّ هذه المسارات تُعتبر شبه ثابتة بالنسبة إلى هذه الأنواع، ما يجعل أي اضطراب داخلها أكثر حساسية وتأثيراً. أما الطيور الصغيرة، فقد تكون أكثر قدرة على تغيير مساراتها، لكنها تبقى عرضة للتشتت والإزعاج وفقدان مناطق التغذية والاستراحة. ويضيف أنّ بعض المناطق التي تعتمد عليها الطيور كمحطات تغذية أو راحة قد تتحول بفعل الضجيج المستمر إلى أماكن غير صالحة، ما ينعكس على التنوع البيولوجي في تلك المناطق.
تكتسب هذه التأثيرات بُعداً أكثر خطورة في ظل تغيّر المناخ، لأنّ الطيور المهاجرة لا تواجه فقط الضوضاء أو الاضطرابات الناتجة عن الطائرات المسيّرة، بل تعيش أصلاً تحت ضغط بيئي متراكم يهدد قدرتها على البقاء. فبحسب تقرير “State of the World’s Migratory Species 2024” الصادر عن اتفاقية الأنواع المهاجرة التابعة للأمم المتحدة (UNEP/CMS)، يؤثر تغيّر المناخ بشكل مباشر على مسارات الهجرة، ومواقيت التكاثر، وتوفر الغذاء والمياه، كما يدفع كثيراً من الأنواع إلى قطع مسافات أطول أو تغيير طرق هجرتها بحثاً عن ظروف ملائمة. ومع استنزاف الطيور لطاقتها بسبب الحرارة والجفاف وفقدان الموائل الطبيعية، تصبح أكثر هشاشة أمام أي اضطرابات إضافية، مثل الضوضاء المستمرة أو التحليق المتكرر للطائرات المسيّرة.
في بلد يشكّل أحد أهم ممرات هجرة الطيور في العالم، لا تبدو الطائرات المسيّرة مجرّد ضجيج عابر في السماء. فبينما يحاول الناس التكيّف مع طنين يومي يذكّرهم بالحرب والمراقبة والخوف، تواجه الطيور المهاجرة بدورها ضغوطاً متراكمة، تضاف إلى تأثيرات التغيّر المناخ، وفقدان الموائل أكان بسبب الاستهداف المباشر للمناطق الطبيعية أم بسبب أصوات الطائرات والمسيّرات. ومع كل اضطراب جديد، تصبح الرحلة أكثر قسوة، للإنسان وللكائنات التي تعبر هذه السماء.
ينشر هذا المقال ضمن مشروع “غرين بانتر” بالتعاون مع “تاز بانتر” .