التغيرات المناخية تعصف بالأمن الغذائي.. الجزائر تفقد بساتين الحمضيات والتين الشوكي والعنب

الجزائر – عائشة ولد حبيب

 

“يا بنتي، احنا خصنا نجيبو قوت يومنا… خلينا من هذ المواضيع الكبيرة” قالها فلاح ستيني من مدينة بومرداس الجزائرية، وهو يمسح عرقه بكمّ قميصه المبلل بالشمس والتعب، كانت كلماته بسيطة لكنها خرجت من قلبٍ أنهكته الأرض وجفّفه الانتظار.

تأملتُ ملامحه التي حفرتها السنين، وعيناه التائهتان بين كروم العنب الذابلة وأشجار الحمضيات التي يبست قبل أوانها. لم يكن يعلم أن كل ما يشتكي منه من عطش الأرض وقلة المحصول وهاجس الماء الذي يطارده كل صباح ليس سوى وجهٍ آخر لأزمة المناخ، تلك الأزمة التي تسكن حقوله بصمت وتغيّر حياته دون أن تنطق باسمها.

ففي صباح قائظ من تموز، كان الفلاح عبد القادر يقف في ظل شجرة زيتونٍ هرِمة يحاول أن يجد بعض الراحة من حرارةٍ تجاوزت الخمسين درجة مئوية. ينظر حوله بصمتٍ طويل، إلى بستانه الذي كان قبل سنوات قطعةً من الجنة، والآن صار أرضًا متشققةً يختلط فيها الغبار برائحة الرماد. ويقول متنهّدًا: “كنا نقول إن الشمس صديقتنا، واليوم أصبحت عدوتنا.”

“الفلاحون لا يشتكون كثيرًا لكنهم يواجهون المستحيل: حرارة قاسية، نقص في المياه، وتقلّب في مواسم المطر، إنهم أبطال يوميون في معركةٍ صامتة” حتى التين الشوكي رمز الصمود في وجه القحط  بدأ يستسلم” يقول الخبير الزراعي إبراهيم جرايبية.

ويضيف “كانت موجات الحر المبكرة شديدة لدرجة أن الثمار سقطت قبل نضجها. خسرنا جزءًا كبيرا من الإنتاج، شيء لم نكن نتصوره يوما”.

بين تشققات التراب وأنين الفلاحين، أدركتُ أن المناخ لا يحتاج إلى أن يُذكر كي يكون حاضرا، بل هو يكمن في كل تفصيل من تفاصيل يومهم، في ثمرة حمضية تتساقط قبل نضوجها، وفي نارٍ تلتهم بساتين الزيتون والتين الشوكي في عزّ الصيف، وفي صمت الأرض التي كانت تنبض بالحياة يوماً ما.
وحين تجفّ الجداول التي كانت تسقي الحقول، ويُصبح المطر ذكرى نادرة، وتتحول مواسم الخير إلى انتظار طويل لا يأتي؟ يتناقل الناس حكاية الأرض التي تختنق بصمت، والفلاح الذي يظن أن همه اليومي بعيد عن المواضيع الكبيرة، بينما الحقيقة أن حياته كلها أصبحت جزءًا منها، إنها ببساطة قصتنا اليومية في الجزائر، قصة العطش، والجفاف، والرجاء بأن تمطر السماء من جديد.

دراسةٌ حديثة حول إنتاج الحمضيات في الجزائر كشفت أن احتياجات الري سترتفع بنسبة 12% بحلول عام 2050، في حين تتراجع الموارد المائية المتاحة. ففي ولاية تيبازة التي تقع شمال الجزائر على ساحل البحر المتوسط، لا تتجاوز كفاءة الري 63%، أي أن ثلث المياه يضيع قبل أن يصل إلى الجذور. وتزيد طبيعة التربة من حجم المأساة، فبينما تحتفظ ترب سهل المتيجة جنوب الجزائر العاصمة بالماء نسبيا، تعاني الأراضي الرملية والهشة في الهضاب من عجز متزايد في الرطوبة.

وسط هذا المشهد، بدأ بعض المزارعين يبحثون عن حلولٍ بديلة مثل أنظمة ريّ ذكية، وزراعة مقاومة للجفاف، ومشاريع محلية لتخزين مياه الأمطار. لكنّ معظمهم يعلم أن الحلول الجزئية لا تكفي أمام أزمةٍ بحجم كوكب.

الفلاح الجزائري لن يتمكن من الاستمرار في الزراعة بالطرق عرفها أجداده والزمن القادم سيفرض عليه واقعا جديدا، حيث يتحوّل التكيّف مع المناخ إلى مفتاح البقاء نفسه اما الفلاح عبد القادر فما زال يعود كل صباح إلى حقله، يسقي ما تبقّى من أشجاره القليلة، مؤمنا أن الأرض وإن تعبت  لا تخذل من أحبها.

في الشرق… لهيب يحرق الرزق والذاكرة

قد يبدو الامر في الشتاء مختلفا اما في الصيف فلا يحتاج العربي جيلالي المستثمر الفلاحي من شرق الجزائر، إلى نشرات الأرصاد الجوية ليعرف أن الخطر قادم. فالأرض التي ورثها عن أجداده لم تعد تعرف طراوة الربيع، ولا ندى الصباح، يقول جيلالي وهو ينظر إلى أشجار الحمضيات اليابسة “في العام الماضي وصلت الحرارة إلى خمسين درجة، كأننا نعيش وسط أفران مفتوحة، المحاصيل احترقت، والعنب اختفى قبل أن ينضج”

ليست الحرارة وحدها الجاني، فالماء، الذي كان يومًا يجري في السواقي كالشريان في الجسد، أصبح اليوم نادرا كالأمل، يتنهد جيلالي قائلا “قبل عام 2016 كانت الأمطار تُنعش الأرض بأكثر من 1500 ملم سنويا. اليوم لا نحصل إلا على 400 ملم، وبشكل متقطع يجعلنا عاجزين عن التخطيط لأي موسم زراعي”.

هذا التراجع الكبير في التساقطات جعل الفلاحين يعيشون سباقا يوميا مع الجفاف بين السماء التي تبخل بالمطر، والأرض التي تتشقق من العطش، أصبح التكيف خيارا مصيريا لا ترفا، “السقي بالتنقيط أنقذ ما تبقى من بساتيننا لكننا بحاجة إلى أكثر من ذلك، إلى أفكار جديدة، إلى شباب يحملون روح الابتكار، إلى تكنولوجيا تجعلنا نزرع بذكاء لا بعشوائية”.

في الجزائر لا تتوزع الأمطار بشكل متساو، ففي الشمال الشرقي عند قمم جرجرة قد تصل الكمية إلى 1800 ملم سنويا، بينما في وادي الساحل، على بعد أقل من عشرة كيلومترات جنوبًا، لا تتجاوز 400 ملم. هذا التناقض المناخي لا يخلق فقط اختلافًا في المشهد الطبيعي، بل في فرص العيش ذاتها.
وفي مناطق الشرق حيث تتساقط الأمطار بغزارة نسبية، ما زال الأمل ممكنا. أما في غرب البلاد والمناطق الداخلية، فالمعركة مع الجفاف أصبحت يومية حيث تتناقص الموارد المائية، وتتكدس الرواسب في السدود، وتُجرف التربة في كل عاصفة مطرية نادرة.

ويؤكد تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2023 أن الجزائر تقف اليوم على خط النار في مواجهة التغير المناخي. فعدد الأيام التي تتجاوز فيها درجات الحرارة 35 درجة مئوية سيرتفع بنسبة 22% قبل نهاية القرن، فيما ستطول فترات الجفاف وتشتد حدتها.
أما المياه فقد أصبحت أكثر ندرة من أي وقت مضى: فالفرد الجزائري لا يحصل إلا على نصف الحد الأدنى العالمي للمياه الآمنة (500 متر مكعب سنويا).

هذه الحقائق ليست مجرد أرقام جامدة، بل تهديد مباشر لقطاع الزراعة الذي يشغّل ربع الايدي العاملة ويساهم بنحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع كل موسم خاسر، تتسع دائرة القلق حول الأمن الغذائي وارتفاع الأسعار، وربما هجرة جديدة من الريف إلى المدن بحثا عن مستقبل أكثر رحمة.

في نهاية حديثه يرفع الخبير الزراعي جرايبية صوته بنداء يتجاوز حدود الحقول ويقول “علينا أن نعيد التفكير في علاقتنا بالأرض، فالزراعة ليست مجرد مهنة، إنها خط الدفاع الأول عن حياتنا. وحماية المناخ ليست ترفًا فكريا، بل ضرورة للبقاء. فالأسر التي تطعمنا اليوم من عرق جبينها، قد تجد نفسها غدا تبحث عن الماء قبل الطعام”.

في سهول الشلف وغاباتها الجافة، كانت التلال إلى وقتٍ قريب تتزين بلونٍ أخضر قاتم، هناك، كان التين الشوكي، النبات الشجاع الذي قاوم الجفاف والحرائق لسنوات يشكل سدا طبيعيا أمام زحف الصحراء، فيُطلق عليه الناس اسم “البطل الأخضر”، لكن هذا البطل الذي طالما حمى الأرض وأطعم الناس، صار اليوم ضحية حرب صامتة بعدما اصابته الحشرة القرمزية.

يقول الحاج عبد القادر وهو فلاح ستيني تفطرت يداه من خدمة التراب: “هذه النباتات كانت حياتنا، كانت تحمينا من النار والعطش واليوم اراها تموت أمام عيني بلا حول ولا قوة”

وتشرح ياسمين حدّادي، مديرة المحطة الجهوية لحماية النباتات، في حديثٍ لإحدى القنوات المحلية المشكلة وتقول “هذه الحشرة مدمرة للغاية فهي تلتصق بألواح الصبار وتمتص عصارتها، لتتركها رمادًا جافًا إنها لا ترحم، وتتكاثر بسرعة في درجات الحرارة المرتفعة”.

لكن التين الشوكي لم يكن مجرد نبات مرتبط بالثقافة الجزائرية، فهو رمزٌ للبساطة والمقاومة، في كل صيف، ومع حلول شهر تموز تفيض الأسواق بصناديقه الخضراء، وتتحول الأرصفة إلى مهرجانات صغيرة للفاكهة الشائكة، ومن حيّ إلى آخر، تتناثر عربات الباعة المتجولين، يصيح أحدهم باللهجة الشعبية الجزائرية: “كرموس الهندي بارد اليوم”، فيهرع إليه الصغار والكبار على حد سواء.

على الشواطئ، وفي الأحياء الشعبية، يصبح التين الشوكي فاكهة الفقراء والأغنياء معًا، ووسيلة رزق موسمية لآلاف الشباب. كثيرون منهم يوفّرون من أرباحه مصاريف الدراسة أو العيد، في قصة صيفية تتكرر كل عام منذ أجيال.

لكن هذا المشهد الشعبي، الذي يشكل جزءًا من ذاكرة الجزائريين، بدأ يتلاشى. اختفاء الصبار يعني اختفاء مورد اقتصادي ورمز اجتماعي ودرع بيئي في آنٍ واحد.

التكيف سيد الحلول

بين حرارة الشمس اللاهبة والرياح الجافة التي تعصف بالحقول، يقف الفلاحون في مواجهة يومية مع أزمة المناخ. لم تعد مسألة التغير المناخي مجرد نقاش أكاديمي أو موضوعا للنقاش في المؤتمرات الدولية، لقد أصبح التكيف مع الظروف القاسية جزءًا من حياتهم، وضرورة ملحة أكثر من كونه ترفا أو خيارا.

من بين الأساليب التي يتبناها الفلاحون اليوم للكيف مع التغيرات المناخية هي نظام الري بالتنقيط الذي يحد من هدر المياه ويضمن وصولها إلى جذور النباتات مباشرة، وهو ما يمثل نقلة نوعية في مواجهة شح الموارد، كما بدأوا يزرعون محاصيل مقاومة للجفاف، مستفيدين من خبراتهم المتوارثة وأبحاث بسيطة تجريبية قاموا بها على أراضيهم.

إلى جانب الرّي الذكي الذي يعتمد على تقنيات ترشيد استهلاك المياه مثل الحصاد المطري والري بالتنقيط، يتجه الفلاحون إلى استراتيجيات متكاملة لمواجهة التحديات المناخية، فهم يختارون أصنافًا من المحاصيل أكثر مقاومة للجفاف والحرارة، ويعيدون جدولة مواعيد الزراعة لتتناسب مع تقلبات الطقس المفاجئة، معتمدين على خبرتهم التي ورثوها عبر أجيال.

إذ ان تنويع المحاصيل أصبح نهجا استراتيجيا فهو يقلل من المخاطر إذا فشل أحد المحاصيل بسبب موجة حرارة مفاجئة أو نقص في الأمطار، بينما تعتمد بعض المزارع على نظم الظل والأغطية الطبيعية لحماية الأشجار من لهيب الشمس. وفي الوقت نفسه، تحسن المواد العضوية جودة التربة، مما يزيد من قدرتها على الاحتفاظ بالماء لأطول فترة ممكنة، ليبقى الغذاء متاحًا حتى في أصعب الظروف.

هذا النهج يعكس فهم الفلاحين العميق للتكيف فهو ليس رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على الأمن الغذائي وحماية مستقبل أسرهم إذ باتوا يدركون ان كل شيء من حولهم مرتبط بالطقس والمناخ وإذا تجاهلوا هذه العلاقة، سيخسرون اكثر من المحاصيل سيخسرون مستقبلهم ومستقبل أبنائهم وسيفقدون الامن الغذائي عاجلا ام آجلا.

 

يتم نشر هذا المقال بالتعاون مع منظمة “تاز بانتر” الالمانية ضمن مشروع غرين بانتر وتم نشر المقال في موقع كوسموس ميديا.

 

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts