العراق بين الفرص والمخاطر في إدارة موارده المائية بحوكمة رشيدة؟

د. رمضان محمد

 

مع تسارع وتيرة التغيرات المناخية وسياسات دول الجوار الجغرافي للعراق المتحكمة في إدارة الموارد المائية وإهمال معالجة مشاكل وازمات المياه بحلول وحوكمة رشيدة تقترب البلاد من خطر الوقوع في حلقة مُفرَغة، حيث يزداد الطلب والحصول على المياه، مما يقوّض بشكلٍ أكبر استقلالية البلاد السياسية وقدرتها على رسم سياساتها الداخلية وحتى الخارجية. كذلك، إذ ان هيمنة تركيا وإيران على المياه الدولية المتشاركة ستمنحها قدرات كبيرة في التحكم في الايرادات المائية الى العراق كدولة مصب. وفي الوقت نفسه، سيصبح العراق الذي تفتقر إلى بنى تحتية متينة للموارد المائية أكثر اعتمادا على دول المنبع في ضمان امنه المائي والغذائي.

ان صعوبة تحكم العراق بمصادر مياهه يسرّع من وتيرة التهميش للتنمية المستدامة ورفاهية المجتمع العراقي، ويقلّل من أهميّة ودور البلاد في النظام الإقليمي والدولي المتغيّر. فهل سيطلق العراق بالفعل مبادرات طموحة في هذا الإطار، وتستثمر بشكل فعلي في تأهيل البنية التحتية لمشاريع المياه والعمل على تطوير المواهب المحلية في استخدام التقنيات الحديثة والذكية في قطاعي المياه والزراعة؟

وحتى إذا لم تحقّق هذه المبادرات سوى نجاحات جزئية، فمن المرجّح أن تمنح العراق مجموعة أكبر من الخيارات في السياسات لإدارة الاضطرابات المناخية والأزمات المائية مقارنة مع السنوات الماضية، وذلك لما يمتلكه من موارد مالية ضخمة وموارد بشرية كفؤة.

ولان الموارد المائية هي المحرّك الرئيسي للنمو والتنمية الاقتصادية اليوم وفي المستقبل في معظم دول العالم، فمن المرجّح أن تتفاقم أوجه التفاوت الإقليمي بين العراق كدولة مصب ودول المنبع، ما سيعمّق الاختلالات القائمة ويُسرّع مسار إعادة ترتيب المشهدين الهيدروسياسي والجيوسياسي في المنطقة لصالح دول المنبع. وقد تصدّرت هذه الأخيرة، المشهد وخاصة تركيا من خلال استثماراتها في تقنيات الري والزراعة الحديثة وإنشاء البنى التحتية والمنظومات الداعمة لها. وتُعدّ هذه الجهود جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات تقوية الاقتصاد الهادف إلى تنويع مصادر الإيرادات. وإلى جانب التنويع، تسعى هذه الدول إلى أن تصبح مراكز وسلال غذاء لدول المنطقة، بما يتيح لها التأثير في المعايير المعتمدة في هذا المجال، والتحكّم بالوصول إلى استثمارات ضخمة، وممارسة قوة ناعمة قائمة على استغلال موارد المياه وتشجيع تجارة المياه الافتراضية.

وعلى النقيض من دول المنبع، تخلّف العراق كدولة مصب، عن مواكبة هذه التطوّرات. ومع ذلك فهو يُدرِك أهمية ضمان موارده المائية الآن وفي المستقبل، لكنه مع ذلك يبذل جهودا متواضعة لوضع استراتيجيات في هذا المجال مع التركيز على تدريب القوى العاملة والاستفادة من تجارب دول المنبع والدول الاخرى كمحرّك لتنمية البلاد في المرحلة المقبلة.

ان هذه الجهود لا ترتقي الى المستوى المطلوب رغم نجاحها، اذ ما زال العراق يعاني من أوجه قصور حادّة ناجمة عن أزمات المياه، وقيود الميزانية، والضغوط التضخمية، ومحدودية المشاريع المنفذة، والضعف الهيكلي في المؤسسات والاقتصاد، فضلًا عن البيئة السياسية التي لا تزال غير مستقرة غالبا.

ونتيجةً لهذه العوامل مجتمعة يتوجب العمل على بناء منظومات الابتكار والأُطُر التنظيمية اللازمة وتطوير بنى تحتية قوية وقوى عاملة ماهرة، واستثمارات مع القطاع الخاص. لتوفير بيئة جاذبة يمكن ان تسهم في معالجة إدارة ازمة المياه التي تتفاقم بشكل كبير في موسم الصيف بل وحتى في باقي المواسم الأخرى.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts