بطلة مناخ في ثوب صحفية.. من هي سعيدة زمزمي؟

لبنى النجار

 

في عالم يشهد اختناقا بيئيا وصخبا إعلاميا، اختارت الصحفية التونسية سعيدة زمزمي طريقا قلّ من يسلكه لوعورة الرحلة وقلة الموارد وعدم ضمان النتائج. لكنها مضت فيه بعزيمة المؤمن بالقضية والشغوف بعمله والملتزم بمسؤوليته، لتصبح واحدة من أبرز الصحفيات المتخصصات في قضايا البيئة وإحدى “بطلات المناخ” إن صح التعبير في تونس، ولتكرّس حياتها لنشر ثقافة بيئية قوامها التوعية والإلزام والمشاركة المجتمعية.

منذ نعومة أظافرها، لم تكن الطبيعة مجرد محيط خارجي تعيش فيه سعيدة، بل كانت جزءا من تكوينها النفسي والروحي. تنجذب بشغف إلى الوثائقيات البيئية، وتتأمل مشاهد الكوكب الأزرق وتستكشف عوالمه وأسراره وكأنها تنتمي إليه أكثر من أي مكان آخر. لذلك، لم يكن مفاجئا أن تختار لاحقا التخصص في الاتصال البيئي، لتتحصل على ماجستير في هذا المجال عام 2016، السنة نفسها التي شهدت ولادة حلمها الكبير مجلة البيئة نيوز”.

كانت “البيئة نيوز” آنذاك مبادرة غير مسبوقة في تونس، أول وسيلة إعلامية خضراء تنشأ من رحم الشغف والإيمان، لا من دعم مؤسساتي. أطلقتها سعيدة بإمكانات مالية ذاتية محدودة، لكنها حملت رؤية واضحة: تقديم صحافة بيئية تفسيرية ترتكز على تبسيط المفاهيم العلمية المرتبطة بالتغير المناخي، وهدر المياه، والطاقة المتجددة، والتنوع البيولوجي وغيرها من المواضيع الحاسمة المرتبطة بتغير المناخ… اختارت لها شعارا “البيئة بين يديك”.

في ذلك الوقت، لم تكن البيئة تحتل حيزا يذكر في المشهد الإعلامي التونسي، وحتى خارجها. “لم تكن المهمة سهلة بالمرّة، لكن الحماس والإيجابية هما ما وجّها خطواتي”، تقول سعيدة، وهي تبتسم بثقة المتيقن أن العمل الجاد لا بد أن يثمر. لم تكتف بالمجلة الورقية، لتحوّلها إلى منصة إلكترونية، ثم لتوسّع نطاق تأثيرها من خلال برامج إذاعية وتلفزية، حملت كلها رسالة واحدة: “كن إيجابيا”، “كن فاعلا”.

كانت هذه البرامج مبادرات واعية لتحفيز الجمهور على التفكير والعمل بيئيا، عبر تقديم معلومات مبسّطة، مدعومة بتحقيقات ميدانية، وحوارات مع مختصين، وربورتاجات تنقل قصصا حقيقية لأشخاص تأثروا مباشرة بظواهر مناخية أو تغيّرات بيئية. وعلاوة على ذلك، لطالما اجتهدت في إبراز أهمية العمل التشاركي بين مختلف الفاعلين من القطاعين العام والخاص للتصدي للتغيرات البيئية المتزايدة ولتعميق أثر المشاريع والمبادرات القائمة. ولأنها صحفية تؤمن بالصورة كما الكلمة، توجّهت مؤخرا إلى إنتاج مضامين رقمية تفاعلية، تبث عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتستخدم البيانات والفيديوهات والغرافيك لتفكيك المفاهيم وتوصيلها بأيسر السبل.

سعيدة لا تحب الحديث عن التحديات التي واجهتها، وتفضّل التركيز على المكاسب والنقاط الإيجابية: تغيير الوعي، وتحقيق التأثير المجتمعي. وهي تؤمن أن كل شخص يمكن أن يكون عنصرا فاعلا في حماية البيئة إذا ما امتلك المعرفة والأدوات والشعور بالمسؤولية.

على مدى سنوات من المثابرة، حصدت هذه الصحفية عديد الجوائز محليا ودوليا: جائزة الإعلام البيئي في تونس سنة 2018، وجوائز أخرى من منظمات مثل CFI، IJINET، DW ACADEMY، إضافة إلى تكريمات من إيطاليا وفنلندا وبريطانيا...، لالتزامها وتميزها في التناول الصحفي لقضايا المناخ والموارد المائية والتنوع البيولوجي.

ورغم ما أنجزته، فإن مشاريع سعيدة لا حدود لها. فها هي تعمل حاليا على بعث منظمة دولية تعنى بالتوعية والتدريب في القضايا البيئية، وتطمح إلى تحويل الاهتمام البيئي من نخبوي إلى جماهيري. تقول: “رسالتي كانت دائما واضحة: جعل الناس يهتمون بالبيئة كما يهتمون بحياتهم اليومية. فالبيئة ليست قضية نخبوية، إنها حياتنا جميعا ومستقبل الأجيال القادمة.”

بهذه الكلمات، تختصر الصحفية سعيدة زمزمي مسيرتها المهنية والإنسانية. قصة لامرأة جعلت من الصحافة جسرا نحو التغيير، ومن البيئة عنوانا لرسالة أمل، في زمن يحتاج إلى كثير من الأمل.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
Read More

العراق… نقاط مناخية ساخنة

خالد سليمان   يدخل العراق عصرا مناخيا حرجا إذ يؤثر الاحتباس الحراري العالمي على اقتصاده وإنتاجه الغذائي وظروفه…