العراق، البصرة – نغم مكي
كانت سمية تستيقظ كل صباح على سيمفونية الطبيعة في بستان عائلتها في قضاء أبو الخصيب اقصى جنوب محافظة البصرة. كانت البلابل العراقية تتبادل التغريد بين أغصان النخيل، بينما طيور اليمام المطوق ترسم دوائر في سماء الفجر الزرقاء. الهدهد كان يقف فوق الأشجار بألوانه المتعددة، والقُمري العراقي يملأ المكان بهديله الرقيق، كانت أمها تخبز في التنور القديم، ووالدها يعصر العنب لصنع عصير طبيعي يملأ البيت برائحته الحلوة. البستان كان عالماً كاملاً من الحياة، حيث كانت العائلة كلها تنام في غرفة واحدة، وتأكل من صحن واحد، وتستيقظ على نفس الاصوات.

اليوم، تستيقظ سمية البغدادي الفنانة التشكيلية على صوت مختلف تماماً: أزيز أجهزة التبريد، هدير المولدات النفطية، وصيحات البائع الجوال وبائع الغاز، فالبستان اختفى، حُول إلى أرض قاحلة تتربع عليها بنايات إسمنتية والطيور غادرت دون وداع تاركة وراءها صمتاً ثقيلاً يشبه الحداد، اختفى الهدهد الذي كانت جدتها تقول عند سماع صوته “خير إن شاء الله”، والطير المهلهل الذي كان يطير بين الأشجار، وحتى الخفاش الذي كان يخيفها وإخوتها عندما كانوا ينامون على السطح بات شيئا من الماضي.
“كنت أعرف كل طائر باسمه، البلبل العراقي كان يبني عشه في أعلى النخلة القديمة، والفختة كانت تطلق صوتها الحنون كل صباح اما امي فكانت تترك سطل ماء للطيور لتشرب منه. كان الجو مختلفاً، كان هناك أوكسجين، وهدوء، وراحة نفسية. الآن لا أسمع سوى السيارات والمكيفات، ولا أرى سوى الدخان الأسود من حرق النفط”، تقول سمية بحسرة عميقة وهي تتذكر تلك الأيام.

ما حدث في بستان سمية ليس حالة معزولة، بل جزء من كارثة بيئية صامتة تجتاح جنوب العراق، حيث يتشابك التغير المناخي مع سوء الإدارة البشرية: الجفاف يلتهم الأهوار، الملوحة تغزو التربة، والحرارة المتصاعدة تحول البساتين الخضراء إلى صحارى ميتة.
تتذكر سمية بألم: “قبل كنا نرى أسراب الطيور المهاجرة تعبر السماء، كانت تملأ الأفق. كان هناك البُقيعي، والقمري، والعصافير الصغيرة التي كان أخي يصطادها ويحتفظ بها في أقفاص. حتى النوارس كانت تحلق فوق شط العرب، واليوم اختفى كل شيء حتى الحمام الذي يطير فوق البيوت أصبح نادراً”.

يتنهد الدكتور كامل حسن الفياضي، مصور الحياة البرية والمختص بالطيور العراقية ويقول : “البلبل العراقي أبيض الأذن ليس مجرد طائر، إنه رمز للجمال والعذوبة في الثقافة العراقية وهو لقرون، يعشش في أشجار النخيل، لكن اليوم بعد تجريف معظم البساتين، أصبح يلجأ إلى أشجار الطرفة البرية في الأطراف النائية”. ويضيف بمرارة: “لا توجد لدينا إحصائيات دقيقة، لكن جميع المختصين متفقون: هناك انخفاض حاد في أعدادها بسبب مزيج قاتل من تجريف البساتين، وارتفاع الحرارة، والصيد الجائر، وتدمير البيئات المناسبة للتعشيش”.
الملوحة أصبحت السم الأبيض الذي يقتل كل شيء، تقول المهندسة الزراعية ساجدة عبد الحسين الخزاعي: “منذ 2019، تفاقمت المشكلة بشكل كارثي. قلة تدفق المياه العذبة من دجلة والفرات سمحت للسان الملحي بالتغلغل من الخليج إلى شط العرب، الماء يتبخر والملح يبقى، ويتراكم حتى يقتل كل شيء حي”. هذه الملوحة لم تقتل النباتات فقط، بل قتلت معها الطيور التي تعتمد عليها.
تقول سمية وهي تتذكر أيام الطفولة: “والدتي كانت تزرع الخضار، والخوخ كان نوعين: الأصفر وأبو خد أحمر وخد أبيض. العنب كان بأشكال متعددة، وكنا نعصره لنصنع عصيراً طبيعياً. كان هناك سمك طبيعي في الأنهار، وطيور الخضيري تأتي في موسمها اما اليوم فالتربة أصبحت مالحة والزرع لا ينمو وحتى الطعم اختلف فلم يعد هناك ذلك الطعم الذي نعرفه”.
يشرح الدكتور الفياضي: “خلال مواسم الشد الملحي، شهدنا موتاً مباشراً لبعض أنواع الطيور المستوطنة بعد ارتفاع الملوحة الذي دمر الأحياء البحرية والغطاء النباتي، مما أدى إلى نزوح جماعي للطيور. والطيور الخواضة مثل عائلة الزقزاقيات او انواع الطيور المائية المهاجرة مثل بط الحذاف كانت من أكثر الأنواع تضرراً، وهي مؤشر لصحة النظام البيئي. عندما تختفي، فهذا يعني أن البيئة بأكملها في خطر”.

التجريف أضاف ضربة قاضية. تقول الخزاعي: “الملوحة أجبرت المزارعين على ترك بساتينهم أو بيعها لمطورين عقاريين. عندما تُجرّف البساتين، تموت الأشجار ومعها نظام بيئي كامل. الأشجار المثمرة توفر للطيور الغذاء والمأوى وأماكن التكاثر وعندما تُزال، تفقد الطيور كل شيء فتهاجر أو تموت”.
تضيف سمية بحزن: “البناء كثر عندنا، وقلت الحدائق. قبل كانت عدة عائلات تعيش في بيت واحد بغرفة واحدة، والآن كل شخص له غرفة ولا يلتقي مع الآخرين. حتى النخيل اختفى، منطقة الصالحية هنا كانت لا تُرى من كثرة النخيل، الآن لا يوجد نخيل تقريباً. الجو أصبح ملوثاً بسبب المصانع وحرق النفط، والناس لم تعد تهتم بنظافة بيئتها والأنهار العذبة أصبحت مليئة بالنفايات”.
حتى الأهوار العراقية الجنوبية الملاذ الأخير للطيور المائية، أصبحت تحت التهديد، يقول الفياضي: “هازجة قصب البصرة والمهاجر الصيفي الذي يفرخ في الأهوار، أصبح مهدداً بالانقراض والتجفيف المتعمد وانخفاض مناسيب المياه والصيد الجائر تسبب في تدمير هذا النظام البيئي الفريد”.
تقول سمية: “أيام حرب إيران والعراق جففوا الأهوار، فتوقفت هجرة الطيور عندنا. الخضيري الذي كان يأتي بكثرة، الآن يباع بخمسين إلى سبعين ألف دينار، من يستطيع شراءه؟ حتى معامل تعليب الطماطم العراقية أُغلقت، وأصبحنا نعتمد على الاستيراد في كل شيء. الصناعة والزراعة ذهبتا معاً”.
تختم الخزاعي: “الوضع ليس ميؤوساً منه بالكامل، لكنه يتطلب إرادة سياسية وتحركاً فورياً. لدينا الحلول: تحسين أنظمة الري، زراعة محاصيل مقاومة للملوحة، تطبيق القوانين البيئية، إيقاف التجريف، حماية الأهوار، لكننا نفتقر إلى الإرادة”.

تعبر سمية عن أملها الأخير: “نأمل أن تعود الطيور يوماً ما، لكن لا أعرف متى سيأتي هذا الوقت، المشكلة أننا نذهب من السيئ إلى الأسوأ. البشر تغيروا، الأخلاق تغيرت. بتنا لا نعرف ماذا سيفعل الجيل القادم؟ وكيف سيعيش؟”
ثم تضيف وهي تغمض عينيها وتستنشق عبق الذكريات: “أحياناً أحاول أن أتذكر الأصوات. البلبل، اليمام، المهلهل، حتى صوت الفختة في الصباح، وصرير الجراد. كل هذا كان جزءاً من حياتنا. كنت أستيقظ على صوت العصافير، والآن أستيقظ على صوت أبواق السيارات وأبو الغاز والمكيفات.
في سماء البصرة، حيث كانت الطيور ترسم لوحات حية، يخيم الآن فراغ قاسٍ. السؤال هو: هل سنسمع صوت البلبل مجدداً في بساتيننا، أم سنتركه يتلاشى في صمت الانقراض؟
تم نشر هذه المادة بالتعاون مع منظمة تاز بانتر ضمن مشروع كرين بانتر