القاهرة – جيلان حفني
لا يمكن الحديث عن رؤى صديقة للمناخ في مصر عام 2050 من دون العودة إلى نهر النيل، بوصفه شريان الحياة الذي تشكّلت حوله الدولة المصرية ككلّ. فالنيل ليس مجرد مورد مائي، بل طبقات كثيفة من التاريخ، والذاكرة، والسياسة، والقلق البيئي المتزايد. وبينما تتكاثر الخطابات حول التكيّف المناخي، يظلّ سؤال النيل حاضرًا: كيف نراه اليوم، وكيف نتخيل الغد في ظله؟
في هذا السياق، يأتي مشروع «النيل» للمصور والباحث البصري المصري روجيه أنيس كمساحة تتقاطع فيها الصورة مع البحث، والتوثيق مع التجربة الشخصية. منذ عام 2017، يتتبع روجيه النيل ككيان حي يتشكل باستمرار تحت وطأة التحولات البيئية والصراعات السياسية، مستندًا إلى رحلات ميدانية، وتعاونيات بحثية ومجتمعية، وممارسة بصرية ترى في الصورة أداة معرفة وبحث، لا مجرّد توثيق. هذا الحوار يفتح نافذة على طريقته في التفكير والعمل، وعلى ما يمكن للبحث البصري أن يتيحه لفهم نهر يزداد حضوره إلحاحًا كلما أصبح مستقبله أكثر غموضًا.
في موضوع شديد الحساسية مثل المياه، كيف تفهم دورك اليوم كمصور وباحث بصري؟ هل ترى نفسك أقرب إلى التوثيق، أم إلى المساءلة، أم إلى محاولة تخيّل المستقبل؟
أرى دوري أقرب إلى التوثيق ومحاولة تخيّل المستقبل، لكن لا يمكن تخيّل المستقبل دون النظر إلى الماضي والحاضر. الصور في كل الأحوال، سواء للتوثيق أو للتخيل، لا تكفّ عن طرح الأسئلة طوال الوقت. موضوع المياه ليس شديد الحساسية فحسب، إنما هو موضوع مصيري. المياه في كل منطقة في العالم لها تحدياتها؛ فلا يمكن اليوم أن ننظر إلى المستقبل دون أن ننظر للمياه، أو أن ندرك الوضع المائي في المنطقة التي نعيش فيها وفي الإطار المحيط بنا.
في سياق مثل مستقبل النيل، ما الذي يتيحه التوثيق والبحث البصري كمنهج معرفي، ولا تستطيع النصوص أو الدراسات الأكاديمية الإمساك به بنفس الطريقة؟
لن أجيب بالمقارنة المباشرة بين التوثيق البصري والدراسات الأكاديمية، لكن من خلال تجربتي الشخصية الأخيرة، وجدت نفسي على الحد الفاصل بين الأكاديميا والفن، وهو ما أسميه «البحث البصري». فمعظم عملي عن النيل مؤخراً تم من خلال هذا البحث البصري؛ أي أنني أصوّر وأوثّق، فتدفعني تلك الصور إلى تساؤلات، تقودني إلى البحث، ثم إلى بناء تعاونيات، والذهاب إلى أماكن جديدة، ليس على الأرض فحسب، بل في مجالات بحثية لم أتطرّق إليها من قبل. التوثيق البصري أو الصحفي قد يريك شيئًا لم تلاحظه من قبل، لكن مع جرعة من البحث الأكاديمي، قد تصل إلى استنتاجات أعمق وأقوى. وهنا تكمن أهمية التعاونيات، فكرة أن يعمل الباحثون مع الفنانين، وعلماء المياه مع الصحفيين. لكلٍ منهجيته، لكن الاهتمام المشترك يولد نتائج أقوى. ولهذا نرى اليوم اتجاهات مثل تحالف الصحافة والعلوم (The Journalism Science Alliance – JSA)، وفكرة دمج الأكاديميا مع الفن، التي باتت تنتشر بكثرة هذه الفترة.

في ظل التحديات البيئية والسياسية المحيطة بالنيل، كيف ترى دور الصورة في التأثير على الوعي العام وصياغة تخيّلاتنا عن مستقبله؟أنا مؤمن بدور الصورة لأنني اختبرته شخصيًا. حين بدأت رحلتي مع النيل، كنت أعرفه فقط من داخل السياق المصري، لكن حين خرجت إلى إثيوبيا والسودان، لم أعد أرى النهر وحده، بل رأيت ناس النيل. هذا التحول في الرؤية هو ما تفعله الصورة. الصورة تفتح آفاقًا جديدة، فقد فتحت لي صورة التقطتها لتمثال غريب ومضحك لعروس النيل، الموجود في متحف النيل، آفاقًا بحثية واسعة جعلتني أتجاوز التصوير إلى العمل على مشاريع أكبر، مثل التعاون مع مجتمعات محلية، والبحث في تاريخ الأساطير والطقوس القديمة وعلاقتها بالحفاظ على البيئة. لا أريد استخدام العبارة الكليشيهية: «الصورة تصنع التغيير»، لكن التغيير عملية تمر بمراحل عديدة، وقد تكون الصورة مجرد خطوة صغيرة، لكنها كافية للبناء عليها.
انطلقت رحلتك البحثية عام 2017 من فضول شخصي عن حالة النيل. بعد سنوات من التتبع والتوثيق، ما السؤال الذي يشغلك اليوم؟
أُفكر كثيرًا في فكرة توافر المياه على المدى البعيد. هل ستبقى المياه متاحة طوال الوقت؟ وماذا سنفعل لو قلّت فجأة؟ مصر بالفعل تُعاني من شح مائي ونمو سكاني عنيف، بالإضافة إلى احتياج دائم للزراعة والشرب والبنية التحتية. ورغم أننا لم نشعر بعد بتأثير سد النهضة وغيره، وما زال لدينا بحيرة ناصر ومخزونًا مائيًا. إلا أن الأمر يحتاج إلى تخطيط مهول.
ولا أنسى أننا لسنا وحدنا، فالنيل يمر بعشر دول أخرى، ولكل منها تحدياتها. لكن مصر، في رأيي، هي الأكثر اعتمادًا عليه. وفي عالم تتفشى فيه الأزمات والحروب، تصبح قضية المياه أكثر تعقيدًا؛ ليست مجرد شح، بل هي فيضان وحروب وتلوث أيضًا. كل هذه الأسئلة تتكشف في ذهني باستمرار. ولهذا أشعر أنني في مشروع النيل دخلت في دوامة لا أريد الخروج منها، بل أستمتع بها، لأنها تمنحني المعرفة والعمق؛ فأنتقل من المياه إلى الزراعة، ومنها إلى التاريخ والأساطير، ثم إلى علوم الأحياء المائية.

هل جعلك التقرب من النيل أكثر تفاؤلاً أم تشاؤمًا بشأن مستقبله؟ ولماذا؟
لو نظرت إلى الصورة العامة فأنا متشائم جدًا. فلو حسبنا الأمر بالورقة والقلم، لن نفهم كيف ما زلنا صامدين حتى الآن. التلوث وشح المياه والحروب.. أي كارثة مفاجئة قد تدمر كل شيء. من هذه الزاوية، التشاؤم يبدو منطقيًا.
لكن عندما أنظر إلى نطاق عملي المباشر وتأثيره الإيجابي على الدوائر المحيطة بي من الأهل والأصدقاء والمجتمع الصغير، أجد أسبابًا للتفاؤل وأرى أشيائًا إيجابية تحدث، حتى لو كانت محدودة. أيضًا، المبادرات مثل مبادرة «فيري نايل (Very Nile)»، حيث اضطر الصيادون إلى جمع البلاستيك من النيل بدلاً من الأسماك، في أحد أكثر الأنهار تلوثًا بالبلاستيك في العالم. لذلك، تفاؤلي ينبع من العمل في النطاق الصغير، ومن الإيمان بأن هذه الدوائر إذا اتسعت، قد تصنع فرقًا على المدى الطويل.

هل تفكر في صورك كأرشيف سيُقرأ في عام 2050؟ وما الذي تحرص على أن يكون حاضرًا فيه؟
أي صورة هي في جوهرها أرشيف يُقرأ في المستقبل. لذلك، أحرص دائمًا على أن تُظهر صوري المشكلة والحلّ معًا. مثلاً، إذا صورت مشكلة تلوث النيل، فأحرص أن تظل هذه الصورة حية في الوعي الجمعي للمشاهد، بحيث إذا جرى الحديث عن التلوث بعد سنوات، يتذكر الناس تلك الصورة. هنا تبدأ السردية المضادة، فكما كان هناك تلوث، كان هناك أناس يعملون على التغيير، وكانت هناك مبادرات ومحاولات. أحاول قدر الإمكان أن أظل محايدًا، وأن أغطي جميع الجوانب، لا جانبًا واحدًا فقط.
تستحضر في نص مشروعك «نهر النيل… خلود مهدد»، لحظات تاريخية مثل «الشدة المستنصرية» حيث تحول الجفاف إلى مجاعة وخراب. اليوم ونحن نمتلك بيانات، وبحثًا علميًا، وتقنيات رصد متقدمة، ما الذي يكشفه واقع النيل عن الفجوة بين ما نعرفه علميًا، وما يُقرر سياسيًا؟
أعتقد أن العلم والسياسة مرتبطان ببعض بشكل كبير، إذا فكرنا بالطريقة الصحيحة. القرار السياسي الصائب يُتخذ على أسس علمية، وهنا يأتي دور فكرة التعاونيات. أن يتجه صانع القرار إلى أصحاب الاختصاص والعلم، يسمع منهم تقييمهم للوضع، يدرك خطورته، ثم يتخذ قراره بناءً على ذلك. لكن عندما نتحدث عن واقع النيل، فنحن لا نتحدث عن واقع محلي فحسب، بل عن واقع مليء بالتحالفات والحروب والنوايا الخفية. فالنوايا السياسية الظاهرة قد لا تعكس الحقيقة التي تفكر فيها دولة ما. العلاقة ليست فقط بين العلم والسياسة، بل هي جزء من شبكة تحالفات معقدة وعالم مضطرب تمامًا. السياسة في النهاية توازن بين عوامل كثيرة: بيئية، واقتصادية، واجتماعية. بينما نحن، كصحفيين أو باحثين مهتمين بالبيئة، نميل إلى التركيز على الجانب البيئي فقط. هذا الاختلاف في زوايا النظر هو ما يصنع الفجوة.
لو كنت ستوثق حلولاً عملية لأزمة المياه في مصر، فأين ستجد هذه الحلول على أرض الواقع، وكيف ستُظهرها بطريقة ملهمة؟
سأبحث دائمًا عن الشكل الأمثل لتقديم هذه الحلول؛ قد يكون باستخدام الفيديو، أو تعليم الأطفال التصوير، أو تعاون مع الناس والمجتمعات. لم أعد أريد أن أكون مجرد مصور، بل سأستخدم كل الوسائط المناسبة لسرد القصة بشكل فعال.
برأيك، ما الذي يجب أن يتغير في إدارة وعلاقة القاهرة بالمياه والنيل، حتى نستطيع القول إن المدينة مستعدة ل2050؟
تقدير المياه، فكرة أننا كمواطنين نُقدر المياه، ستنعكس بالضرورة على السلوكيات، وسيتشكل وعي جمعي حقيقي. هذا بالطبع حديث كبير ويحتاج إلى سنوات طويلة. على المستوى السياسي، أو مستوى الدولة، هناك أمور عديدة مثل علاقتنا بدول حوض النيل؛ هذه العلاقة يجب أن تكون قوية جدًا وعلينا أن نقوّيها. هؤلاء الناس يعيشون معنا ويشاركوننا نفس النهر، ولدينا خبرات كثيرة قد نتبادلها معاً. أما على مستوى الحلول العلمية، فهناك حلول عديدة؛ مثلًا عندما ننظر إلى البحث العلمي، عندما نستثمر أكثر في البحث لترشيد استهلاك المياه في الزراعة، سنكتشف طرقاً لاستخدام كميات أقل مع الحفاظ على الإنتاجية. كما هو الأمر في استصلاح الأراضي الصحراوية من حيث مصادر المياه، وطرق تنقيتها. كل هذا له علاقة بإدارة المياه وعلاقتنا بها.

* تُنشر هذه المقابلة ضمن مشروع “غرين بانتر” بالتعاون مع مؤسسة “تاز بانتر“