محمد بازة: “السماء مورد مشترك… والتدخل البشري محدود”

المغرب – ايمان بلامين

يعد الدكتور المغربي محمد بازة من أبرز الخبراء في إدارة الموارد المائية، ووضع السياسات المستدامة، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف. يمتلك خبرة طويلة تمتدّ لعقود، اكتسبها من خلال عمله مع منظمات دولية بارزة مثل ”منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة” (الفاو) و”اليونسكو” في مجالات حوكمة المياه وسياسات مواجهة الجفاف. يتميز فكره بمزج متين بين البعد العلمي والسياسات العامة، مع تأكيد دائم على أولوية التخطيط الاستباقي للمياه بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع الأزمات بعد وقوعها.

1- شهد المغرب خلال عام 2025 سنوات من جفاف شديد تلاها هطول أمطار غزيرة وفيضانات مدمرة. من منظورك، ما الذي يفسر هذه التقلبات المناخية الحادة، ولماذا تُعتبر محورًا أساسيًا في صياغة سياسات المياه؟

– النمط الذي شهدناه في المغرب أصبح نمطاً متزايد الشبه بما يعيشه المناخ المتوسطي تحت تأثير التغير المناخي، أي فترات طويلة من الجفاف تتخللها أمطار مركزة وعنيفة أحيانًا. من الناحية الفيزيائية، الجفاف لا ‘يسبب’ أمطار الفيضانات، لكنه يغير طريقة استجابة الأرض للمياه. بعد سنوات من الهطول المنخفض، تصبح التربة جافة جدًا وصلبة، غير قادرة على امتصاص المياه بكفاءة. وعندما تهطل الأمطار الغزيرة — كما حدث في بداية موسم الأمطار 2025 — فإن الجريان السطحي يزداد بشكل كبير، ويزداد خطر الفيضانات والتآكل. البيانات الأخيرة التي أظهرت تساقط كميات كبيرة من الأمطار والثلوج في بعض مناطق المغرب في 2025، مع أكثر من ضعف المعدل المعتاد في بعض المناطق، توضح مدى عدم انتظام هذه الأنماط المناخية.”

من منظور السياسات، تبرز هذه التقلبات حدود الاستراتيجيات التقليدية لإدارة المياه التي كانت مصممة على أساس هطولات موسمية أكثر انتظامًا. لعقود، كانت السدود والمياه الجوفية تُدار وفق توقعات الفصول الجافة والرطبة؛ لكن تلك الافتراضات لم تعد صالحة. يجب الانتقال من الاستجابة التفاعلية للجفاف إلى سياسات استباقية تأخذ بعين الاعتبار كيف يمكن للأمطار الشديدة أن تقطع فترات الجفاف الطويلة. الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، ورسم خرائط مخاطر الفيضانات، وإدارة الأحواض المائية بشكل متكامل يجب أن يقترن بتدابير التخفيف من آثار الجفاف إذا أردنا الحد من هشاشة المجتمع أمام كلا التطرفين.

2: بعد أمطار وفيضانات 2025، تكهّن العديد من المغاربة بأن استمطار الغيوم أو تقنية المطر الصناعي كانت السبب وراء هذه الأحداث. هل يمكن لاستمطار الغيوم أن يتسبب بفيضانات مثل تلك التي شهدتها مناطق مثل زاكورة أو تاطا؟

-هناك الكثير من سوء الفهم حول استمطار الغيوم. من المهم أن يكون واضحًا ما تفعله هذه التقنية وما لا تفعله. استمطار الغيوم هو شكل من أشكال تعديل الطقس يُطبق تحت ظروف محددة، ويهدف أساسًا إلى تعزيز الهطول من الغيوم التي تحتوي بالفعل على رطوبة. المغرب شارك في بحوث وبرامج استمطار الغيوم، مثل برنامج “الغيث”، لعقود، مستثمراً في التكنولوجيا بهدف زيادة الهطول بشكل محدود.

لكن استمطار الغيوم لا يمكنه خلق أنظمة جوية أو التسبب بالعواصف الشديدة والفيضانات المفاجئة التي ضربت بعض المناطق في 2025. تلك الأحداث كانت نتيجة ظروف جوية طبيعية، تشمل كتل هوائية رطبة للغاية وانعدام في الاستقرار الجوي، وجاءت مكثفة بسبب عقود من الاحترار المناخي. وقد أظهرت التغطية الواسعة في 2025 أكثر من ضعف كمية الأمطار المعتادة في العديد من المناطق، مع مساهمة الثلوج والمطر في تدفق السدود والجريان السطحي الشامل. استمطار الغيوم قد يزيد الهطول قليلًا تحت ظروف محددة جدًا، لكنه لا يولد جبهات عاصفة ولا يمكن أن يخلق كمية الهطول التي تحدث بشكل طبيعي في أحداث مناخية متطرفة. لهذا السبب، أكدت السلطات الجوية مرارًا أنّ عمليات الاستمطار لم تُجر في المناطق التي شهدت فيضانات شديدة. الشائعات التي تربط استمطار الغيوم بالفيضانات تعكس قلقاً عميقاً بشأن المياه، لكنها لا تصمد أمام الفحص العلمي والفيزيائي.

3: كيف يؤثر عدم انتظام المناخ، وخاصة التوقيت والشدة غير المنتظمة للأمطار، على الزراعة وسبل العيش في المناطق الريفية بالمغرب؟

– الأمطار أمر حاسم للزراعة. الفلاحون لا يحتاجون إلى المطر بشكل عام، بل يحتاجون المطر في مراحل محدّدة من نمو المحاصيل. القمح يحتاج إلى الماء عند الإنبات والإزهار، الزعفران والزيتون لهما فترات حرجة خاصة. حدث مطري غزير يأتي متأخرًا في الموسم قد يملأ السدود، لكنه لا يفيد المحاصيل التي عانت من الجفاف سابقًا. هذا التناقض هو أحد أعقد التحديات التي يواجهها المغرب مع ازدياد عدم انتظام الأمطار. تشير بيانات 2025 إلى أن معدل الهطول ارتفع مقارنة بالسنوات السابقة، ووصلت مستويات ملء السدود إلى نحو 40% بحلول أواخر مارس، وهو تحسن كبير مقارنة بعام 2024. لكن ارتفاع مستويات السدود لا يعني بالضرورة تحسنًا في الزراعة، لأن الأمطار لم تتزامن مع احتياجات المحاصيل في العديد من المناطق. بالإضافة إلى ذلك، الفيضانات المفاجئة يمكن أن تدمّر النباتات الصغيرة أو تجرف التربة العليا، في حين أنّ الجفاف الطويل بين الأحداث يجهد الماشية ويقلل الإنتاجية. هذا التغير يعقد أيضًا تخطيط الري وإعادة تغذية المياه الجوفية وإدارة السدود. إذا لم تتوافق التوقعات المناخية مع الجداول الزراعية، فإن المياه المخزنة خلال الأمطار الغزيرة قد لا تُستخدم بفعالية عندما تكون المحاصيل بحاجة إليها. لذلك، يجب أن تشمل التكيفات ليس فقط البنية التحتية لتخزين وتوزيع المياه، بل أيضًا ممارسات زراعية مقاومة للمناخ، ومحاصيل تتحمل الجفاف، وخدمات إرشادية تساعد الفلاحين على تعديل جداول الزراعة استنادًا إلى توقعات موسمية أكثر موثوقية.

4: يشعر العديد من المغاربة بعدم الثقة في السلطات فيما يتعلق بالمطر والجفاف وتقنيات استمطار الغيوم. ما الدور الذي يجب أن تلعبه الحوكمة والاتصال لتحسين فهم الجمهور وبناء الثقة؟

-الثقة أمر أساسي. المياه قضية عاطفية ووجودية في المغرب، ليست مجرد مشكلة تقنية. في العديد من المجتمعات الريفية، كان الهطول يُفهم من خلال أطر ثقافية وروحية لأجيال. عندما يتعارض هذا الفهم مع التكنولوجيا الحديثة وسياسات الدولة، ينشأ ارتباك وشكوك. من منظور الحوكمة، الشفافية والمشاركة العامة أمران أساسيان. يجب على السلطات ألا تكتفي بشرح التقنيات التي تستخدمها، بل لماذا وكيف تعمل. يجب توضيح استمطار الغيوم، إدارة السدود، والتوقعات المناخية بلغة يسهل على الناس فهمها، بما في ذلك حدود هذه التدخلات ونتائجها المتوقعة.

إلى جانب المعلومات، يجب وجود حوار. يجب إشراك المجتمعات المحلية، خصوصًا في المناطق الريفية الأكثر تأثرًا بندرة المياه، في عمليات التخطيط واتخاذ القرار. بناء الثقة من خلال مجالس مياه تشاركية، ومراصد محلية، وإحاطات منتظمة موجهة للمجتمع يضمن شعور الناس بأنهم مسموعون ومطلعون، وليسوا مضطرين للاعتماد على بيانات تقنية غامضة. الأمر لا يقتصر على تصحيح المعلومات المغلوطة، بل يتعلق أيضًا باحترام خبرات الناس الذين شاهدوا الآبار تجف، والمحاصيل تفشل، والفيضانات تأتي دون إنذار. الثقة تُبنى عندما تعكس السياسات الأدلة العلمية والواقع المحلي، ويشعر الناس أن أصواتهم تؤثر على حوكمة المياه.

5: بالنظر إلى المستقبل في 2050، ما الاستراتيجيات التي يجب أن يعطيها المغرب الأولوية لتعزيز الأمن المائي في مواجهة التغير المناخي، بما في ذلك دورات الجفاف والفيضانات القصوى؟
مستقبل الأمن المائي في المغرب لا يمكن أن يعتمد على حل واحد فقط. أعطت أمطار 2025 دفعة مؤقتة للمخزونات، ووفقًا للبيانات الأخيرة، تحسنت مستويات السدود بشكل عام، لكن هذا يمثل تخفيفاً جزئياً فقط بعد سنوات من ندرة المياه.

-أولاً، يجب على المغرب تنويع محفظة المياه بعيداً عن الاعتماد على الأمطار والتخزين التقليدي. وقد بدأت الاستثمارات في التحلية ونقل المياه بين الأحواض بالفعل، مثل توسيع القدرة على التحلية وربط المجاري المائية لدعم المناطق المعرضة للجفاف، ويجب توسيع هذه الجهود بعناية. لكن التحلية، رغم أهميتها، ليست حلاً شاملاً؛ فهي مكلفة، مستهلكة للطاقة، ولا يمكنها وحدها تلبية كل الطلبات الزراعية والمنزلية.

ثانياً، يجب تعزيز إعادة تغذية المياه الجوفية، وحصاد مياه الأمطار، وتدابير الاحتفاظ الطبيعي بالمياه. يمكن لتحسين أحواض التجميع، واستعادة الأراضي الرطبة، والحفاظ على رطوبة التربة أن يزيد من قدرة المشهد الطبيعي على امتصاص المياه وتخزينها، مما يقلل من شدة تأثير الجفاف والفيضانات.

ثالثاً، إدارة الطلب لا تقل أهمية عن زيادة العرض. يمكن أن تساعد تسعيرة المياه، والحوافز لاستخدام تقنيات فعالة، وتحويل السياسات الزراعية بعيداً عن المحاصيل المرهقة للمياه نحو أصناف مقاومة للجفاف، على تخفيف الضغط على الموارد المحدودة. أخيراً، ستكون أنظمة التنبؤ المناخي القوية وأطر الحوكمة التكيفية ضرورية. مع تزايد تباين أنماط الهطول، يحتاج المغرب إلى أنظمة إنذار مبكر، وخطط توزيع ديناميكية، وهياكل اتخاذ قرار تشمل المجتمع لإدارة كل من الجفاف البطيء والفيضانات المفاجئة. الأمن المائي ليس مجرد تحدٍ تقني، بل هو تحدٍ سياسي واجتماعي. بناء مؤسسات قادرة على التنبؤ، والتواصل، والاستجابة لتقلبات المناخ سيكون المحدد الرئيس لنجاح المغرب في العقود القادمة.

6: افترض أن المغرب بحلول 2050 اعتمد حوكمة جوية متقدمة، مع جدول مطر محدد وعمليات استمطار متطورة. كيف تقيم هذا التطور، ليس فقط من منظور تقني، ولكن أيضاً فيما يتعلق بما قد يعنيه للمجتمع والثقافة؟

-إذا تخيلنا المغرب في 2050، فإن حوكمة الجو تمثل إنجازاً تقنياً استثنائياً، لكن من المهم أن نكون واضحين: هذه التقنية لا تحل محل الأمطار الطبيعية. استمطار الغيوم يساعد على استقرار الرطوبة وتقليل التذبذبات القصوى، لكن تعقيد المناخ، المتزايد بفعل عقود من التغير، لا يمكن السيطرة عليه بالكامل. الجفاف، موجات الحر، والعواصف الشديدة ستستمر في الحدوث — النظام قادر على توجيه الأنماط، لكنه لا يمكنه تكرار كل تنوع وغنى الطبيعة.

ما هو تحولي هنا ليس التكنولوجيا فقط، بل التحول المجتمعي الذي تثيره. تعلم المغاربة التعامل مع السماء كمورد مشترك، وإدارة الأمطار بشفافية ومشاركة عامة. ومع ذلك، حتى في 2050، هناك إدراك بأن التدخل البشري محدود: الحوكمة الجوية أداة للمرونة، لا للسيطرة المطلقة. وتظهر البلاد ثقافة التواضع تجاه الطبيعة، مع الاعتراف بأن التكيف والتخطيط والإدارة الجماعية مهمة بقدر أي ابتكار تكنولوجي.

7: إذا رفع النقاد في 2050 مخاوف أخلاقية وسياسية حول استمطار الغيوم والأمطار المجدولة، تكراراً لما حدث في 2025، كيف يجب على المغرب مواجهة هذه التحديات لضمان العدالة، الشفافية، وثقة الجمهور على المدى الطويل؟

-الأسئلة الأخلاقية والسياسية لا مفر منها. المطر لا يمكن امتلاكه، واستمطار الغيوم لا يمكنه ضمان أنماط عادلة أو طبيعية. التغير المناخي يستمر في إنتاج تطرفات غير متوقعة، مما يعني أن أكثر الأنظمة تطوراً لا يمكنها السيطرة بالكامل أو استبدال الطبيعة.

في هذا السيناريو، سيحتاج المغرب إلى حوكمة قوية: يجب أن تكون كل تدخلات جوية شفافة، ومراجعة من قبل المواطنين، وتوجيهها من قبل مجالس تضم مهندسين، فلاحين، والمجتمعات المحلية. الثقة العامة تأتي من فهم أن التكنولوجيا تدير المناخ، لكنها لا تسيطر عليه. من خلال اعتبار الأمطار مرفقاً عاماً، والاعتراف بحدود التدخل، يمكن للمغرب التعامل مع المخاوف الأخلاقية مع الاستعداد لمستقبل يظل فيه عدم اليقين المناخي تحديا حاسماً.

 

* تُنشر هذه المقابلة ضمن مشروع “غرين بانتر” بالتعاون مع مؤسسة “تاز بانتر“

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts