السودان .. حينما تغطي الحرب على ضحايا المناخ

 

السودان – آيات الحبال

 

منذ عام 2023 تعيش السودان في حرب خلفت ملايين النازحين وأوقفت الحياة في العديد من المجلات وفي عدد من الولايات وفقد البعض حياتهم ويعاني البعض الأخر من آلام النزوح، الحرب الأخيرة في السودان كشفت عن أزمة كبيرة قد تتسبب في معاناة مزمنة للسودان وهي أزمة تفاقم الآثار الناتجة عن التغيرات المناخية والتي ساهمت الحرب في إبرازها، كان أبرزها التلوث وتدمير الموارد البيئية وقطع الأشجار وحرق المحاصيل.

في 15 أبريل 2023 بدأت حرب بين قوات الدعم السريع والجيش الوطني السوداني داخل السودان، وبدأت الحرب بالعاصمة الخرطوم ثم امتدت لأغلب الولايات، وأدت هذه الحرب وفقا لبيانات الموقع الرسمي لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلي واحدة من أكبر أزمات النزوح في داخل السودان وفي خارجها وفقا لتقديرات المفوضية اضطر نحو 13 مليون شخص للفرار من ديارهم في السودان بينهم 4 ملايين شخصٍ عبروا الحدود إلى دول الجوار مثل مصر، وجنوب السودان، وتشاد، وليبيا، وإثيوبيا، وجمهورية إفريقيا الوسطى، بالإضافة إلى أوغندا.

ووفقا لدراسة أعدها مركز الشرق الاوسط للشؤون الدولية في أبريل عام 2024 بعنوان “معضلة السودان: مواجهة تغيّر المناخ في دولة مزّقتها الحرب” يُعدّ السودان من الدول الأكثر عرضة لتغيّر المناخ في العالم ويشكّل ارتفاع درجات الحرارة، وعدم انتظام هطول الأمطار الموسمية، وفترات الجفاف الطويلة، والفيضانات المتكرّرة، تهديدات متزايدة للبيئة والمجتمع البشري على حدّ سواء، و سلّط الصراع الأخير في السودان الضوء على العلاقة المعقّدة بين الهشاشة البيئية والاضطرابات الجيوسياسية، لقد أثّر تقاطع تغيّر المناخ مع الصراعات الطويلة الأمد بشكل كبير على الإنتاج الزراعي على مرّ السنين. وقد أدّى الصراع في مناطق مختلفة من البلاد إلى نقص الغذاء، وانخفاض الإنتاجية الزراعية، وتقلّص المساهمات في نمو الناتج المحلّي الإجمالي.

وهدّد الجفاف نحو ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية وتحديداً في كردفان ودارفور والولايات الشمالية، ما ينذر بخطر المجاعة وشح المياه، كما أدّى تلوّث التربة والممارسات الضارة مثل إزالة الغابات والرعي الجائر إلى زيادة خطر الجفاف في السودان. بالإضافة إلى ذلك، أثّر ارتفاع ملوحة التربة، بسبب الظروف القاحلة وممارسات الري غير المناسبة، سلباً على جودة التربة وألحق مزيداً من الضرر الإنتاجية الزراعية.

حاولت منظمات المجتمع المدني المعنية بالزراعة والمناخ العمل على رفع الوعي البيئي وعلى أساليب التكيف، إلا أن غيرت الحرب الأوليات لدى أبناء السودان وأصبح العمل الإنساني والحفاظ على الحياة أكثر أولوية من الحديث عن التغيرات المناخية.

الحرب تعيق المنظمات

فقدت الكثير من منظمات المجتمع المدني المعنية بقضايا البيئة قدرتها على العمل داخل السودان، والبعض غير أنشطته للعمل الإنساني، والبعض الأخر بحث عن بدائل للعمل في محاولة التخفيف الأزمات التي خلفتها التغيرات المناخية و عززتها الحرب.

هذا التقرير يرصد كيف أثرت الحرب على عمل نشطاء البيئة في السودان، وكيف حاولوا البحث عن بدائل.

من بين هذه المنظمات منظمة (زينب لتنمية وتطوير المرأة) التي تدريها فاطمة أحمد المهندسة الزراعية و هي ابنة ولاية القضارف التي تقع في شرق السودان وتحدّها من الناحيتين الشمالية والغربية ولاي تي الخرطوم والجزيرة ومن الناحية الشرقية ولاية كسلا والحدود السودانية الإثيوبية ومن الجنوب ولاية سنار.

بدأت مؤسسة زينب عام  2000 كجمعية صغيرة في ولاية القضارف تهتم بالتوعية بمخاطر ختان الإناث والإيدز والصحة الإنجابية وصحة النساء والأطفال، بجانب رفع الوعي بالأمراض المنقولة جنسيا، وبعد ذلك توسعت الجمعية وأصبحت أهدافها الأساسية هي مكافحة الفقر، وتمكين النساء اقتصاديا و علميا وقانونيا وسياسيا، وخاصة المزارعات.

ووفقا للموقع الرسمي لمنظمة الاسكوا أن الزراعة هي القطاع الاقتصادي الأكثر أهمية في السودان ، وتصل نسبة سكان الريف (65.4٪) ويساهم القطاع بنسبة 40 ٪ من الاقتصاد الوطني ، ويعمل 58 ٪ من القوى العاملة في الزراعة وذلك وفقا لبيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة 2018، وتعد الحبوب من المحاصيل في السودان مثل الذرة الرفيعة والدخن والذرة والقمح، بجانب منتجات أخرى مثل قصب السكر والتمر والبقول والعلف والقطن واللثة العربية والسمسم والفول السوداني والفواكه والخضروات.

وأكدت فاطمة أحمد رئيسة منظمة “زينب”  في مقابلة معها لموقع صحفيات من أجل المناخ بالقاهرة أن 75% من العمالة الأساسية في المجال الزراعي هم من النساء، منقسمين بين عاملات زراعيات أو عاملات في تربية المواشي، أو صغار صغار مزارعات حيث يمتلكن مساحات صغيرة جدا من الأراضي الزراعية ويعملن في زراعتها بالمحاصيل الأساسية.

جائت تسمية المؤسسة باسم “زينب” تقديرا لزينب محمد نور رائدة التعليم في القضارف كما وصفها الموقع الرسمي لمؤسسة زينب  هي والدة فاطمة أحمد وهي أول سيدة بنات القضارف  تحصل على شهادة جامعية وكان ذلك عام 1939 وأصبحت أول معلمة من الأقليم الشرقي السوداني، وبعد ذلك أسست عدد من المدارس في إقليم شرق السودان لتعليم الفتيات، وأصبحت ضمن 1000 سيدة مؤثرة على مستوى العالم في عام 2005، وتوفيت في 2006.

لدي مؤسسة “زينب” عدد من المكاتب ولكن المكتب الرئيسي كان في الخرطوم، إلا أنه تدمر تماما بسبب الحرب، وأصبح عمل المؤسسة يسير من خلال مكتب إقليمي في ولاية القضارف التي استوعبت الألاف من النازحين من الخرطوم وغيرها من الولايات التي تأثرت بالحرب، وبالتالي لم يتوقف عمل المؤسسة، ولكن تضاعف العمل، نظرا لاستقبال نازحين ومزارعين من الولايات الأخرى بحاجة إلى العمل.

إنها فور استقبال ولاية القضارف نازحين أصبح هناك احتياج لتوفير مصادر دخل وعملت مع منظمة الفاو وشركاء من الأمم المتحدة لدعم أكثر من 50 ألف مزارع من القضارف النازحين والأدوات الزراعية وقطع الأراضي والبذور المحسنة من المحاصيل الرئيسية مثل الذرة والفول السوداني والسمسم.

خلال فترة الحرب تأثر عمل جميع منظمات المجتمع المدني خاصة العاملة في مجالات الزراعة والطاقة والتغيرات المناخية، من بين هذه المؤسسات مؤسسة “زينب” التي عملت في مختلف الولايات حتي الولايات الملتهبة من خلال المبادرين الصغار والجمعيات الصغيرة وصغار المزارعين.

فامتد عمل المؤسسة لولايات دارفور وكردفان من خلال عملها مع  مجموعات نسوية تم تشكيلها من المزارعات الذين دربتهم المؤسسة، حتي أنهم يعملوا في مدينة الفاشر ونيالة وكادوجلي التي تتعرض للهجوم العنيف من قوات الدعم السريع ورغم ذلك لم يتوقف نشاط المؤسسة في دعم المزارعات هناك.

الجدير بالذكر أنه في 26 أكتوبر الماضي أعلنت «قوات الدعم السريع» سيطرتها على مدينة الفاشر الاستراتيجية، أكبر مدن إقليم دارفور، مؤكدة سيطرتها على مقر «الفرقة السادسة مشاة»، آخر مقرات الجيش في الإقليم، مما أدي إلي خروج مئات الآلاف من المدينين إلي معسكرات النزوح في مدينة الطويلة المجاورة ومدن أخري.

بدأ حصار الفاشر في 10 مايو 2024 حين طوقت «قوات الدعم السريع» المدينة من الجهات الأربع، متهمة الحركات المسلحة المساندة للجيش في إقليم دارفور بـ«خرق تعهداتها بعدم المشاركة في الحرب» إلى جانب أي من طرفيها.

وفي نوفمبر 2023، خرجت كل من «حركة جيش تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«حركة العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، وحركات أخرى صغيرة، عن موقف الحياد المعلن، وأعلنت الانحياز إلى الجيش والقتال معه ضد «قوات الدعم السريع»، بعد أشهر من بقائها في الحياد.

وبعد إكمال قوات الدعم السريع السيطرة على إقليم دارفور في 26 أكتوبر الماضي، تتركز المعارك في إقليم كردفان الذي تسيطر قوات الدعم السريع على نحو 60 بالمئة من مناطقه.

ويشكل إقليما دارفور وكردفان قرابة نصف مساحة السودان البالغة 1.8 مليون كيلومتر مربع، ونحو 30 بالمئة من سكانه، ويستحوذان على 35 بالمئة من موارده الاقتصادية. وتتعرض عدد من المدن في إقليم كردفان إلي قصف مدفعي عنيف من قبل «قوات الدعم السريع»

تعاونت مؤسسة “زينب” مع المبادرات الصغيرة في مختلف الولايات، لدعم منتجي الذرة والفول السوداني، والسمسم  أيضا فهي المحاصيل الأساسية في السودان ويرتبط الفول السوداني بالنساء حيث تمتلك المزارعات قطع الأراضي الصغيرة حول منازلهم لزراعته وبالتالي يحتاجون إلي الدعم و توفير أدوات الزراعة .

مبادرات محلية

“المبادرات المجتمعية السودانية لم تقف مكتوفة الأيدي حتي تنتهي الحرب مثل المنظمات الدولية، وهم من دعموا مجتمعاتهم خلال فترة ثلاثة سنوات من عمر الحرب المستمرة لانهم يعرفوا كيف يعملوا في بلادهم”.

المهندس شهاب الدين عثمان الامين العام لمنظمة ايكو نايل للاستدامة البيئة في السودان، التي بدأت العمل رسميا في سنة 2022 منذ بدء الحرب وهو يواجهه عدد من التحديات التي وصلت إلي حد أنه توقف عن العمل داخل السودان، شهاب الدين هو مهندس ري وناشط بيئي يهتم بقضايا المناخ منذ أكثر من سبع سنوات، أسس مع اربعة عشر باحث وناشط بيئي سوداني منظمة “ايكو نايل للاستدامة البيئة” في العاصمة السودانية الخرطوم، بهدف رفع الوعي بقضايا المناخ، ولكن بعد اندلاع الصراع في السودان فقدوا مقر المنظمة واضطروا إلى الخروج خارج السودان فبعضهم سافر إلي أوروبا والبعض ذهب إلي المملكة العربية السعودية والبعض الآخر اتخذ مصر ملجأ له من الحرب.

التقيت بالمهندس شهاب الدين عثمان في مدينة السادس من أكتوبر التابعة لمحافظة الجيزة بمصر،  وشرح لموقع صحفيات من أجل المناخ التحديات التي قابلته هو وزملاءه والبدائل عملوا من خلالها.

قال شهاب الدين أن الحرب السودانية أظهرت عدد من التحديات الجديدة بسبب تدمير كبير للبنية التحتية ومراكز البحثية المعنية بالمناخ، فمعظم الجامعات والمراكز البحثية توقفت تماما، بجانب فقد البيانات والأرشفة، حتى أن محطات رصد الطقس والتغيرات المناخية والفيضانات توقفت مثل محطة رصد في مطار الخرطوم والتي تدمرت بالكامل.

وظهرت أيضا علي حد قوله عدد من الممارسات الضارة مثل قطع الأشجار للحصول على مصادر الوقود واستخدام الفحم بمخالفة قوانين السودان التي منعت استخدامه، وكان ذلك بهدف الحصول على الطاقة إما للاستخدام الشخصي أو لعمل تكايا الطعام (المطابخ الخيرية للنازحين).

وقال “إن الحفاظ علي الحياة هو الأولوية بالنسبة للمواطن السوداني في فترة الحرب وبالتالي لم يكن لدي المواطنين أو منظمات أي اهتمام بالبيئة”.

لم يتأثر السودان كله بالنزاع المسلح بشكل مباشر، ولكن بعض الولايات تأثرت بشكل مباشر بسبب وجود النزاع بها وولايات أخرى تأثرت غير مباشر بسبب النزوح إليها، وبالتالي ظلت بعض المنظمات والجهات الرسمية المعنية بالبيئة والزراعة تعمل في الولايات الآمنة ولكن بطاقة ضعيفة علي حد قول شهاب إلا أنه أكد أن قضايا المناخ لم تكن علي رأس أولويتها نظرا لتحول الأولويات بسبب الحرب والنزوح وخفض التمويل.

ينقسم السودان إلي 18 ولاية هم الولايات الشمالية وتضم الولاية الشمالية ،ولاية نهر النيل، والولايات الشرقية وتضم ولاية البحر الأحمر وولاية القضارف و ولاية كسلا وهذه الولايات لم تأثر بشكل كبير عدا ولاية كسلا.

أما الولايات التي تأثرت بالحرب بشكل كبير هم الولايات الوسطى وتضم ولاية الخرطوم و ولاية الجزيرة وولاية سنار وولاية شمال كردفان، والولايات الجنوبية وتضم ولاية النيل الأزرق وولاية النيل الأبيض، وولاية جنوب كردفان، وولاية غرب كردفان، وولاية شرق دارفور، وولاية جنوب دارفور، والولايات الغربية وتضم ولاية وسط دارفور و ولاية شمال دارفور، وولاية غرب دارفور.

رغم ذلك أكد شهاب الدين أن عدد قليل من المبادرات البيئية الصغيرة ظلت تعمل على مشروعات صغيرة مستدامة من بينها توزيع مواقد صديقة للبيئة بدلا من استخدام الفحم في مراكز النزوح ولكن جميع المشروعات توقفت لسببين الأول ضعف التمويل،  خاصة بعد توقف المعونات عن منظمات الأمم المتحدة، والثاني صعوبة التنقل بين الولايات لأن الطرق غير آمنة بسبب العمليات العسكرية وهذه العوامل أثبت أن العمل بشكل منفرد في ظل الحرب تحدي كبير على حد وصفه.

ومن هنا ظهرت فكرة التحالف الأخضر السوداني هو تحالف لمنظمات معنية بالبيئة في السودان ويضم 8 منظمات اتحدوا خلال الحرب للعمل سويا من بينها منظمة “ايكو نايل”، وبعض هذه المنظمات داخل السودان والبعض الأخر مازال خارجه، والهدف من هذا التحالف هو التنسيق لضمان إنجاز العمل  في ظل الحرب، وتبادل الموارد، والخبرات.

بدأ الأتحاد في إعداد برامج توعية بقضايا المناخ عن بعد، وأطلقت “أيكو نايل” قناة على اليوتيوب معنية بالبيئة يشارك فيها باحثين و نشطاء بيئيين سودانين من مختلف المنظمات، وذلك من خلال تنظيم محاضرات اسبوعية وتنظيم منتديات افتراضية حول قضايا الطاقة المتجددة والزراعة في محاولة لرفع الوعي.

بجانب ذلك تم إطلاق مبادرة لتوثيق الانتهاكات للبيئة  في السودان التي رصدت حرق الأراضي الزراعية وقطع الأشجار وسرقة المحاصيل، وتلوث الموارد المائية من خلال إلقاء الجثث في الآبار.

واتخذت السودان قبل أبريل عام 2023 خطوات لسياسات التكيف مع التغيرات البيئية، خاصة بعد قمة شرم الشيخ (COP27)التي شاركت فيها السودان من خلال مؤسسات حكومية وشارك عدد من نشطاء البيئة من بينهم شهاب الدين أعدوا مشروعات تهتم بقضايا البيئة، ولكن كل ذلك توقف لاحقا.

في 26 مارس 2025 أعلن الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، عن تحرير الخرطوم من مليشيات الدعم السريع، ومنذ هذا التاريخ بدأت عدد من منظمات المجتمع المدني تتنفس الصعداء وتعمل على الأرض على حد قول شهاب، خاصة وأن الوضع بدأ يستقر في حوالي 60% من السودان وعادت المؤسسات الحكومية للعمل بشكل تدريجي، ولكن يظل العمل على قضايا المناخ ضعيف ولا يجد تمويل مناسب، ورغم ذلك يعملوا على إعداد مبادرات إلكترونية وعلى الأرض ولكن بإمكانيات زهيدة على حد قوله.

 

يُنشر هذا التقرير ضمن مشروع “غرين بانتر” بالتعاون مع مؤسسة “تاز بانتر“

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts