أحمد ناجي يحدّق في أسوأ كوابيس القاهرة المناخية

القاهرة – أسماء الشيخ

 

بينما راحت تقارير الـ «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ» (IPCC) تحذّر في السنوات الأخيرة من مخاطر مركّبة تهدّد العاصمة المصرية القاهرة بحلول عام ٢٠٥٠، كان الروائي والصحفي المصري أحمد ناجي قد تخيّل في روايته «استخدام الحياة»  (2014) تفاصيل الحياة داخل تلك المخاطر. حدّق في أسوأ كوابيس القاهرة المناخية، ونقلها إلى القارئ بحساسية لا تخلو من السخرية. رسم مشهد الافتتاحية: تسونامي صحراوي يردمها ويدمّر أهراماتها التاريخية، لتقوم على أطرافها مدينة جديدة، تتخطّى آثار الكارثة البيئية عبر تكنولوجيا فائقة، مثل مضخّات عملاقة تنقي الهواء، وبكتيريا تفكّك الكربون. لم تكن الكارثة البيئية النهاية، بل أفرزت طبيعة جديدة، وتحوّلت قاهرة ٢٠١٤، عام صدور الرواية، إلى بحر من الرمال المتحركة، تطلّ عليه قاهرة ٢٠٥٠، تشقّه بالسفن الشراعية التي تعتمد في حركتها على مدّ وجزر الرمال، وترسل بعثات علمية لاكتشاف أسراره. طرحت شخصيات الرواية حلولًا بيئية متنوّعة، وتركت للقارئ السؤال الأصعب؛ ماذا عن حال المستخدم الحقيقي للحياة في خضمّ كلّ ذلك؟
في عام ٢٠١٥، أي بعد عام من صدور الرواية، حلّت على القاهرة المعاصرة عاصفة ترابية استثنائية وأعلنت الحكومة المصرية خطتها لإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، وبدلًا من الالتفات إلى الرؤى والأفكار التي طرحتها الرواية، حُكم على ناجي بالسجن لعامين، وذلك عقب نشر فصول من روايته في جريدة ثقافية محلية، بدعوى خدش الحياء العام. هاجر بعد خروجه من السجن ويعمل ويقيم حاليًا في الولايات المتحدة الأمريكية. واليوم نحاوره لنتعرف أكثر عن الدور الذي يلعبه الخيال الأدبي في تشكيل رؤية مستقبلية للقاهرة ٢٠٥٠.

  • تعاني القاهرة من تحدّيات سياسية واقتصادية شتّى، لكنّك اخترت الاضطراب البيئي ليكون مفتاحًا للمدينة، لماذا؟ وكيف تشكّلت في ذهنك صورتها المردومة بالرمال؟

منذ عام ٢٠٠٧ تقريبًا، انتشرت في شوارع القاهرة أكشاك المناخ ضمن خطة الحكومة للاهتمام بالبيئة، شاشات تعرض درجات الحرارة وتُحدّث درجة تلوث الهواء بانتظام، كنت حينها أعمل صحفيًا وأغطي إضرابات العمال في مصانع حلوان للأسمنت، وهي منطقة صناعية مرتفعة التلوث. وما لفتني أن أغلب العمال وسكان المنطقة الذين أجريت معهم لقاءات، كانوا لا يتوقفون عن السعال، معظمهم يعاني من أمراض تنفسية مزمنة إلى جانب ضعف الأجور، وأدركت أن البيئة لم تكن خلفية صامتة لتلك الإضرابات بل كانت واحدة من الأسباب التي دفعتهم إليها.

  • ناقشت في مقالاتك الصحفية أن التغير المناخي صيرورة بيئية لكنك قدمته في روايتك كـ «كارثة مدبرة»، هل كان ذلك اختيار فني أم موقف فكري؟

بالطبع كانت هناك اختيارات فنية لكنها نابعة من موقفي الفكري، لطالما كانت التغيرات المناخية جزء من طبيعة الأرض، لكن بتنا نعرف الآن أن النظام الاقتصادي المعاصر وأسلوب الحياة الاستهلاكية، ساهما في تسريع تلك التغيرات، كما أن هناك من يراكم ثروات من وراء هذا النمط ولا يرغب في تغييره. الحلول البيئية باتت الآن أوضح، لكنها تجد مقاومة، مثلًا السيارات الكهربائية حلّ متوافر للحدّ من الانبعاثات الكربونية، ولكن الاقتصاد هو ما يعرقل انتشارها عالميًا، ولا يتوقف دور الاقتصاد هنا بل ينتج خطابًا بيئيًا يلقى باللوم على الأفراد؛ فنكتفي بالحلول الفردية منخفضة الأثر، بدلًا من مساءلة الشركات التي ما زالت تنتج مثلًا محرّكات الديزل وتصدّرها لبلدان الجنوب بينما تعتمد هي في بلادها على مصادر للطاقة النظيفة.

  • هل تهتم بمتابعة التقارير الرسمية مثل خطة مصر لمواجهة التغير المناخي ٢٠٥٠؟

كنت أتابعها أثناء عملي الصحفي في مصر. في السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك، كانت وزارة البيئة أكثر فاعلية، تحدد المستهدفات البيئية، وتتعامل معها وتراقبها، أما الوزارة الحالية فتستعين بالتكنوقراط، خبراء بعقود مؤقتة تستخدمهم لكتابة تقارير وخطط مثالية، ويتوقف دورهم عند هذا الحد، لا يشاركون في تطبيقها ولا يختبرون مدى ملاءمتها للواقع البيئي، لذا قل اهتمامي بها.

  • بماذا شعرت عندما تقاطع خيالك الأدبي مع الخيال السياسي بعد صدور الرواية؟

لم أتفاجأ في الحقيقة، كانت خطة نقل العاصمة من القاهرة الحالية إلى مكان خارجها حاضرة منذ فترة حكم مبارك، لم يكن الخيال الأدبي تنجيماً بشأن الخطط المستقبلية.

  • إذن كيف يعمل الخيال الأدبي ليساعدنا على تصور المستقبل؟

سأخبرك قصة أولًا، حين أراد جمال عبد الناصر وضع تصوّر للقرية المصرية النموذجية، مِن ضمن مَن استعان بهم كان كاتب الخيال العلمي المصري نهاد شريف، أرى في ذلك خيالًا متطورًا، وهكذا يعمل، يبدأ من سؤال “ماذا لو؟”، وينطلق حرًا ليختبر سيناريوهات التطبيق. وهو يفعل ذلك يضع في حساباته الأولويات المحلية.

في القاهرة مثلًا، يبدو عبئًا أن نركز على الحد من استهلاك البلاستيك عبر استهداف المطاعم والمحلات الشعبية، لأن ما زالت نسبة إصابة سكانها بفيروسات الكبد الوبائي مرتفعة، بينما تساهم الأكواب ذات الاستعمال الواحد في خفض معدلات الإصابة. وهذا لا يعني أنه ليست هناك أرضيات عالمية مشتركة يمكن للخيال الأدبي تتبعها، مثلا نجد أن مزارع إنجليزي قد يتشارك ومزارع مصري حين يستخدم كلاهما معدات زراعية تعمل بالديزل، ثم تفرض عليهما حكومتيهما ما يعرف بضريبة كربون، كلاهما حقًا يضيف إلى الانبعاثات الكربونية، لكن كلاهما لم تشركهما حكومتيهما في تشكيل السياسات البيئية، فلا يرون فيها سوى مزيدًا من الصعوبات والتعنّت.

وفي سياق آخر مثل الإسكندرية نجد سبقًا بيئيًا، وسع دائرة النقاش حول التقاطعات بين تخطيط المدن وأثره على البيئة، فبعد عشرة أعوام تقريبًا من التقاضي، نجح مواطن مصري في تنفيذ أول حكم قضائي، يلزم شركة أسمنت كبرى بدفع تعويض بسبب التلوث البيئي الذي ألحقته الشركة بمنطقة وادي القمر غرب الإسكندرية حيث يعيش، وواحدة من الأسباب التي عرقلت القضية في البداية، هي أنّ منطقة وادي القمر ليس معترفًا بها رسميًا كمناطق سكنية، وهذا يعيدنا إلى فقر خيال التخطيط، وما ينتج عنه من تعقيدات، ودور الخيال الأدبي في تتبع تركيبها ومدى تشابكها.

  • كتبت في روايتك أن تغير المناخ هو محرك التاريخ ما الذي تعنيه وكيف يمكن ربطها بحاضرنا؟

التاريخ ليس قصص الحروب والملوك، هو انعكاس للعلاقة بين البشر والمناخ، هو محاولات تكيف الإنسان مع تغيرات بيئته. أهم الثورات التي حدثت في فهمنا للتاريخ أتت من قدرتنا على تحليل الحفريات وربطها بالتغيرات المناخية، وبناء نماذج محاكاة تربط بين الأحداث التاريخية والظروف المناخية. في واقعنا المعاصر، نسقط سهوًا أو عمدًا أنّ كل مناطق النزاع حاليًا هي مناطق غنية بالموارد والثروات الطبيعية، إبادة الدروز الأخيرة في سوريا، كانت صراعا على آخر المناطق التي ما زالت محتفظة بالمياه والأراضي الزراعية. الصراع في إيران هو نتيجة لتبديد الموارد وفوضى السدود؛ لنتخيل أن النظام الديني سقط اليوم، سيبقى سؤال الندرة المائية الذي تعاني منه طهران حاضرا يؤرق الجميع. وبدلًا من رؤية المحرك البيئي والمناخي المحرك للصراع بسبب الجهل أو التعامي المتعمد، تُسرد النزاعات على أنها عرقية أو دينية بدلا من تتبع الحقائق الجغرافية والمناخية، والتي طالما شكلت الحضارات وأثرت على أنظمة الحكم.

  • إذن كيف تلهمنا تلك الفكرة للوصول إلى حلول؟

قديما كانت الهجرة وحرية التنقل هي المفتاح، وما زالت أرى أنها المختبر الأمثل، الهجرة هي ما تشكل هويات اجتماعية جديدة معنية أكثر بالحق في النجاة، نجد أن البلدان التي يتمتع أفرادها بحرية التنقل هي القادرة على إيجاد الحلول وتطبيقها، لكن لو تخيلنا باحث من الكونغو مثلا- مع كل ما تعاني منه بلاده- إذا أراد السعي وراء الحلول واكتساب الخبرات وتعميق تجربته؛ فسيعرقله تعنت الحدود الجغرافية.

* تُنشر هذه المقابلة ضمن مشروع “غرين بانتر” بالتعاون مع مؤسسة “تاز بانتر“

 

 

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts