فراولة “إنتاج غزة”… أرض “الذهب الأحمر” التي جعلتها الحرب رمادا

 

فلسطين – وفاء عاروري

 

“بديش أموت قبل ما أوكل فواكه”، قد تبدو هذه العبارة صادمة، وقد تبدو الأمنية الأخيرة قبل الموت شديدة التواضع إن لم يعرف القارئ أنّ قائلتها هي امرأة من غزّة، البقعة المنكوبة في هذا العالم التي يعيش أهلها تجويعًا ممنهجًا منذ أشهر.

استوقفتني هذه العبارة، كصحفية فلسطينية، وأعادتني تلقائيًّا إلى قصص كثيرة سمعتها في السنوات الأخيرة، لشباب رموا البذور في أرض غزة الخصبة، فنبتت بكلّ أشكال الفواكه وأنواعها، في تجارب جمعت بين التكنولوجيا وحب فلاحة الأرض التي ورثوها عن أجدادهم. أين كنت ستجد مزارعًا يتحكّم في ري محصوله وتسميده عن بعد، من خلال تطبيق على الهاتف، أو مزارعة تزرع في الماء بدل التراب، إلا في غزة؟ على أنّ الحديث عن الطعم قد يبدو شديد الكماليّة، أمام غياب أيّ مصدرٍ للغذاء في غزّة، لكنّه ليس كذلك بالنسبة إلى أبناء القطاع الذين أنبتوا أرضهم بطرق مبتكرة قبل أن يقضي عليها الاحتلال.

غزة الغنية بالذهب الأحمر

تلمع الذاكرة بذهب غزّة الأحمر “الفراولة” أو التوت الأرضي الذي بدأت زراعته في القطاع خلال ستينيات القرن الماضي. ساعدت خصوبة الأرض وتربتها الرملية ومناخها المعتدل هذا النوع من الزراعة، على عكس الضفة الغربية التي بدأت زراعة الفراولة فيها بمساحة تجريبية “300 متر” في قلقيلية عام 1998. تقول بيانات “الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني”، وفقًا لآخر إحصائية لها عام 2022، إنّ فلسطين تزرع 4565 دونمًا من الفراولة سنويًا، 4301 دونم منها يزرع في غزة التي لم تعد ترى اللون الأحمر أبدًا، إلا على هيئة دماء الشهداء.

ليلة السابع من أكتوبر 2023، باتت المهندسة الزراعية ولاء عبد المنعم على حلم افتتاح مشروعها الزراعي بعدما قامت بتوسيعه وتطويره، من 400 متر إلى دونم، وأضافت قسمًا جديدًا للتصنيع الغذائي. نامت واستيقظت على واقع حرب أكتوبر، لتجد نفسها في طوابير الطعام والماء والاستحمام، تنزح من خيمة إلى أخرى ومن مركز إيواء إلى آخر.

تستعيد ولاء بدايات مشروعها الذي أسمته “الذهب الأحمر” حين أطقته عام 2020، بزراعة الفراولة المعلّقة على مساحة 200 متر، ثم جاءت حرب 2021 وتدمّر المشروع بالكامل، وبعد انتهائها عادت مرة أخرى وبدأت من جديد بمساحة وصلت إلى 400 متر.

في السابع من أكتوبر 2023، كان من المفترض أن تفتتح ولاء المشروع مرة أخرى بعدما طوّرته إلى مساحة دونم، ما ساعدها على توسيع المشروع وتشغيل العديد من النساء معها، لكن هذا الحلم الجميل ومثله الآلاف من أحلام الشباب في غزة، تبدّد مع بدء الحرب.

ولاء هي أم لثلاثة أطفال، نزحت معهم للمرة الأولى من بيت لاهيا بتاريخ 20 تشرين ثاني (نوفمبر) عام 2023، في اليوم الذي اعتقلوا فيه زوجها دون أن يفرجوا عنه حتى اليوم. تتحمّل ولاء اليوم مسؤولية أطفالها وحدها بلا زوجها، الذي كانت تدير المشروع معه، وفق ما تخبرنا “كنا نعمل معًا، وكان مشروعنا مصدر دخل أسرتنا الصغيرة طوال العام، حتى في الفترات التي لا تكون فيها ثمار الفراولة قد نضجت بعد، كنا نعمل في التشتيل، غيابه زاد من صعوبة الحياة التي أعيشها، أنزح مع ثلاثة أطفال صغار من مكان إلى آخر هربًا من الموت”.

“شوية أمل”

قابلت ولاء في الثالث عشر من شباط (فبراير) الفائت عبر الهاتف، أي خلال الفترة القصيرة لوقف إطلاق النار في القطاع، وكانت حينها قد عادت إلى بيتها، أو الأصوب إلى “حيث” كان بيتها في الشمال. وجدت المشروع مدمّرًا بالكامل، الجرافة الإسرائيلية سوّته بالأرض تمامًا، فيما البيت لم يكن صالحًا للسكن، “لكنني اضطررت إلى البقاء فيه، لم أجد مكانًا آخر أذهب إليه مع أطفالي”. وحين سألتها، متردّدة إن كانت تفكّر في بناء المشروع من جديد، أجابت بثقل “عنا شوية أمل، إذا وقفت الحرب أكيد برجع”. كانت تلك فرصة، أعادت إليها أحلامها السابقة التي تبدو الآن من حياة أخرى. تحدّثت بشوقٍ عن أيامها في مزرعة الذهب الأحمر، فكلّ ما في المشروع صنعته ولاء بأيديها، بنت المشروع من الصفر، فكانت هي من تزرع وتقطف وتسوّق المنتجات.

في العادة، يبدأ موسم الفراولة في شهر أيلول (سبتمبر) من كل عام، ويستمرّ حتى شهر حزيران (يونيو) بالنسبة للفراولة المعلّقة، أما الفراولة الأرضية فيستمرّ موسمها حتى نهاية شهر نيسان (أبريل). اعتمدت مزرعة ولاء على نظام الفراولة المعلّقة، حيث تكون الانتاجية أعلى بثلاثة أضعاف من المزرعة الأرضية. لهذا، تؤكّد أنّ مشروعها كان يغطي التكاليف ويُحقّق لها هامش ربح جيد ويؤمّن لها ولعائلتها حياةً كريمة. منذ بدء الحرب على غزة، وحتى لحظة إجراء هذه المقابلة، كانت الشابة قد نزحت ثماني مرات مع أطفالها،  وفي كل مرة كانت تحاول أن تزرع بعض المنتجات الأساسية، بجانب خيمتها، لأن أسعار الخضروات مرتفعة جدًّا، وغالبًا لا تكون متوفّرة من الأساس.

فراولة مزروعة في الماء

إرادة الزعانين، هي أيضًا مهندسة زراعية خرّيجة جامعة الأزهر، وصاحبة مزرعة breath “تنفس” في بيت حانون، والتي تقوم فكرتها في الأساس على الزراعة المائية. بدأت بمشروعها عام 2018، واستمرّت في العمل به حتى بدء الحرب على غزة. أوّل مرة خاضت فيها إرادة تجربة الزراعة المائية كان لبحث تخرجها من الجامعة، ولكن التجربة كانت مبهرة، والنتيجة أنّ الزراعة المائية هي تقنية حديثة تستحقّ أن تعمّم، ولهذا السبب قامت بتجهيز وحدة زراعية، مساحتها لم تكن تتجاوز 70 مترًا، لكنها زرعت فيها 15 محصول، الفراولة كانت من بينها.

تؤكّد إرادة أن الكيلو الواحد من الفراولة المزروعة في التراب، يحتاج إلى 333 لتر لكي يتم إنتاجه، ولكن عندما قامت بزراعة الفراولة في المياه مباشرة، أخذت كمية أقل من ذلك بكثير، بالتالي استطاعت أن تثبت أن التربة هي التي تحتاج هذه الكميات من المياه وليست نبتة الفراولة نفسها. تقول إنّ الطعم كان مميزًا جدًا في هذا النوع من الزراعة، رغم أنّها توجّهت إليه بالأساس بسبب شح المواد الخام المطلوبة للزراعة، فحاولت أن تستغني عن الأرض وأن تزرع الأشتال في الماء مباشرة، بالاستعانة ببعض الأدوات والمغذيات الموجودة. والنتيجة أنّ الثمار في الزراعة المائية تكون ثلاثة أضعاف الزراعة العادية. كانت هذه المزرعة هي الأولى من نوعها في غزة، وقد حققت نجاحًا مبهرًا تداولته العديد من وسائل الإعلام المحلية والدولية، قبل أن يحترق المشروع بأكمله في بداية الحرب على غزة.

هذه الوحدة الزراعية على صغر مساحتها، شكّلت مصدر دخلٍ لإرادة وعائلتها، فالكثير من الناس كانوا يحبون الشراء منها لأن طعم المنتجات كان مميّزًا، فكانت تستهلك ما تحتاجه للبيت وتبيع الفائض عن ذلك. علمًا أنّها حصلت على منحة من إحدى المؤسسات، وساعدها ذلك على تطوير مشروعها، وإضافة وحدات طاقة شمسية له.

وعن حلمها بالعودة من جديد تقول: “لا اخفيكِ سرًّا أنّنا كلنا نسينا طموحاتنا وأحلامنا، أنا نزحت لأول مرة وعمر طفلتي الأولى شهر، وكبرت في الخيم ومراكز الإيواء، وهي تفتقد لأي نوع من الغذاء الصحي أو حتى الاحتياجات الأساسية لها كطفلة”.

لم يفقد أهالي غزة أحلامهم فحسب، بل فقدوا حتى واقعهم الذي لم يكن بأفضل أحواله، باتوا يتمنون العودة إليه حتى رغم سوئه، فالحرب أعادتهم إلى ما تحت الصفر، ولا يزالون في حالة يحاولون فيها استيعاب ما جرى، ولكن كما العنقاء التي تنهض من بين الرماد، عند أول فرصة ستنهض إرادة وولاء وغيرها من الشباب الطامحين المتمسكين بأحلامهم، من جديد.

ولعل أحد أهم الامور التي تحدثت عنها الزعانين، أن الزراعة المائية يجب أن تكون توجهًا يتمّ تبنّيه بعد الحرب على غزة، خاصة وأن الأراضي تدمرت بالكامل وأصبحت مسمومة نتيجة الكيماويات التي نزلت عليها، بالإضافة إلى شح المياه، بالتالي الزراعة المائية ستوفر الحل لكل ذلك في المستقبل.

الزراعة في الخيمة.. حين ينبت الأمل من الألم

معظم العائلات في قطاع غزة نزحت عشرات المرات هربًا من صواريخ الاحتلال واستهدافه لها، وفي كلّ مرة تنزح فيها عائلات من منطقةٍ إلى أخرى، يكون المعيار الأساس للمكان الذي تلجأ إليه هو الأمان، فيبحثون عن أرضٍ قاحلة في مكان يشعرون أنّه أكثر أمنًا أو أقلّ خطورة، لأنه لا أمان في غزة كلّها في ظل هذه الحرب.

كلّ عائلة تأتي تنصب خيمتها التي حملتها معها في جنوب القطاع أو بجوار بيوتها المدمّرة، وغالبًا لا يكون لها مكانًا إلا مساحة الخيمة نفسها، رغم ذلك لم تتوانى الكثير من العائلات عن محاولات الزراعة في ظل الحرب، تقول إرادة: “رب ضارة نافعة”، الناس وقت غلاء الأسعار كانت تزرع كل ما توفّر وبما توفر، فهناك الكثير من العائلات زرعت الحبوب والنباتات التي تحتاجها للطهي، مثل الفول والبازيلاء.

وكمزارعة لديها الخبرة في هذا المجال، ساهمت الشابّة في عملية التشتيل وتوزيع الشتل على أكبر عدد ممكن من الناس حتى يستفيدوا منه ويوفروا البديل لهم.

وحتى منتصف العام الماضي، كانت لا تزال المساحة المزروعة في غزّة، تبلغ قرابة 4200 دونم، أي ما يمثّل حوالي 10-15% من الاحتياج الحقيقي للاستهلاك المحلّي لسكان قطاع غزة، وفق ما أكّد المتحدّث الإعلامي باسم وزارة الزراعة في الضفة الغربية محمود فطافطة. كما بلغ عدد المزارعين المستمرين في العملية الإنتاجية لمحاصيل الخضار 1665 مزارع في محافظات الوسطي وخانيونس ورفح، وكذلك كان هناك 460 دونم مزروعًا في محافظة شمال غزة لعدد 66 مزارع لكن نتيجة الحملة العسكرية العنيفة علي شمال غزة تم تدمير هذه الأراضي. هذه الأرقام، رغم صغرها، ورغم كونها لا تلبي إلا جزءًا بسيطا من احتياج الناس للخضروات في غزة، إلّا أنّها تشير إلى الطرق التي حاول فيها أهالي القطاع التأقلم مع أوضاعهم القاسية. حتى تحت القصف والصواريخ المتواصلة لم يتوقف 1665 مزارع عن الزراعة في غزة، وفي الشمال الذي نفذ فيه جيش الاحتلال الاسرائيلي إبادة شاملة وتطهيرًا عرقيًّا، كان هناك 460 دونمًا مزروعًا حتى في ظل الحملة العسكرية المكثّفة.

 مليون دولار الخسارة اليومية للقطاع الزراعي في غزة

قبل الحرب، كانت غزّة تعتمد على القطاع الزراعي الذي يشكّل العمود الرئيس لاقتصادها. مع كلّ صاروخ يطلقه الاحتلال على القطاع يُحاول أن يُدمّر عناصر قوّته، وأن يعدم أي فرصة لعودته واستنهاضه من جديد. وبالعودة إلى الأرقام والاحصائيات التي تعكس حجم الخسارة والدمار في القطاع الزراعي، فقد تبيّنت الخسائر الزراعية الكبيرة منذ الشهر الثاني للحرب، إذ أصدر “الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني” بيانًا بتاريخ الثامن والعشرين من تشرين ثاني (نوفمبر) عام 2023، أكّد فيه أن الخسائر اليومية المباشرة في الإنتاج الزراعي نتيجة توقف عجلة الإنتاج في غزة، تبلغ 2 مليون دولار يوميًا.

فضلًا عن الهجمات والتفجيرات الهائلة والمستمرّة على القطاع منذ أكثر من 600 يوم، فإنّ هذا الرقم الكبير نوعًا ما يعود لكون اقتصاد غزة برمّته هو اقتصاد زراعي يقوم على الزراعة والثروة الحيوانية. فالبيان نفسه أكّد أن إجمالي المساحات المزروعة بأشجار البستنة والخضروات والمحاصيل الحقلية في قطاع غزة بلغت حوالي 117 ألف دونم، وهو ما يعادل ثلث مساحة غزة الكلية 360 كلم مربع.

هل ستعود الخصوبة لتربة غزة؟

في لقائنا مع الأكاديمي عبد الفتاح عبد ربه، وهو أستاذ العلوم البيئية في “الجامعة الإسلامية في غزّة”، وصف الحرب بأنها حرب إبادة للبيئة وللقطاع الزراعي بشكل أساس، لأن الزراعة العمود الفقري للاقتصاد الغزي، ولأنّ الأرض هي المصدر الوحيد للحياة بالنسبة إلى الغزيين.

كما بيّن أن حجم القذائف والصواريخ التي قصفت بها الأراضي الزراعية لا يمكن حصره نظرًا لكمية المتفجرات التي ألقيت عليها، والمخلّفات الكيميائية الناتجة عنها، مرجّحًا أن 80 الى 90% من الأراضي الزراعية تم تدميرها، ولا سيّما في الشمال والجنوب لتعرضها لأكثر عمليات التدمير واستهداف. وهذا ما يؤكّده التقييم الجغرافي الأحدث الذي أجرته “منظمة الأغذية والزراعة” (الفاو) و”مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية” (يونوسات)، والذي توصّل إلى أنّ أقلّ من خمسة بالمائة من الأراضي الزراعية في قطاع غزة صالحة للزراعة. وربطت “الفاو” بشكل مباشر بين هذه الكارثة البيئية وبين التجويع الممنهج للغزيين، كون تدمير البنية التحتية الزراعية في غزةّ هي إحدى الأساليب المتّبعة للمجاعة التي تقودها إسرائيلية.

بالإضافة إلى ذلك، أكد عبد ربه أن قصف المباني أدى إلى تبعثر التربة وانخفاض الأراضي الزراعية وإحراق العديد منها، مقدّرًا أن تكون التربة في غزة بحاجة إلى مئات أو آلاف السنين لكي يتم ترميم تكوينها، خصوصًا أنّ من شأن الصواريخ الإسرائيلية أنّ تولّد حفرة بعمل ما يقرب 20 مترًا.

ويتوقع عبد ربه أيضًا أنّ أكبر مشكلة ستواجه التربة في غزة نتيجة هذه الحرب هي التصحّر، قائلًا “التربة في غزة كانت تعاني سابقًا من التصحر لأن لدينا تملح فيها، ولكن نتيجة الحرب زادت نسبة التصحر بشكل كبير جدًا”.  وأوضح أن التصحر حسب تعريف منظمة “الفاو”: هو نقص القدرة الإنتاجية لأي نظام بيئي، وأكد أنه قبل الحرب كان في غزة شبه اكتفاء ذاتي في كثير من المحاصيل الزراعية، ولكن الحرب دمرت القطاع كله.

“إنتاج غزة”… رسالة الشوق

وبينما كانت تعجّ أسواق الخضروات في مختلف مدن الضفة الغربية، في هذا الوقت من العام، بالفراولة الغزية التي توضع في علبة مميزة لكونها تحمل عبارة “إنتاج غزة”، هذه العلبة التي عبرت الحدود وكسرت الحواجز، لم نكن نحن أهل الضفة الغربية ننظر إليها كمنتجٍ زراعيّ في أسواقنا فحسب، وإنّما كانت أقرب إلى هديّة جاءتنا من الطرف المحاصر من أرض فلسطين. بينما كانت علبة الفرح هذه تملأ أسواقنا، بتنا نفتقدها للعام الثاني على التوالي، لتحلّ محلها فراولة أخرى بوسمٍ إسرائيلي. فلا تكفي المجازر التي يقوم بها الاحتلال يوميًّا بحقّ البشر والحجر والشجر في غزة، بل أيضًا عمل على استغلال هذه الفجوة في أسواق الضفّة الغربية، وغياب الفراولة الغزية عنها ليسيطر على حصتها في السوق.

في الوقت الذي أغلقت العديد من الدول الأوروبية أسواقها أمام الفراولة الاسرائيلية، وعلى وجه الخصوص الفراولة القادمة من المستوطنات المحاذية لغزة، واستعاضت عنها بفراولة قادمة من المغرب ومن بعض الدول الافريقية، إلّا أنّ التجار الاسرائيليين استمرّوا باستغلال حاجة الضفة إلى هذه الفاكهة، وحاولوا قدر الإمكان التغلغل في الأسواق التي باتت السوق الوحيدة المفتوحة أمامهم.

من الضروري التنويه إلى أن نسبة كبيرة من الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية، ينتبهون جيدًا إلى أن هذه الفراولة اسرائيلية خاصة انها تحمل وسمًا مكتوبًا بالعبرية، ورغم جودتها العالية وحلاوتها فهم يمتنعون تمامًا عن شرائها.

في هذه الظروف المعقدة، انبثقت محاولات من بعض المزارعين في منطقة الأغوار “محافظة طوباس”، لزراعة الفراولة من أجل توفيرها كبديل فلسطيني في الأسواق، رغم نجاح التجربة إلى حد ما، لكن بقيت أسعار الفراولة مرتفعة جدًّا، ولونها باهت وطعمها لا يقارن مع تلك التي نبتت في تربة غزة الرملية.

محاولات خجولة لزراعة الفراولة في الضفة الغربية

عن محاولات زراعة الفراولة في الضفة الغربية، يقول المزارع مهند ضراغمة، إن نجاح زراعة الفراولة يتعلق باعتدال المناخ ووفرة المياه، مشيرًا إلى أنّ زراعتها مكلفة جدًّا، فالدنم الواحد منها يكلف 100 ألف شيقل، أي قرابة 30 ألف دولار، أما في غزة فالأمر مختلف كليًا لأن التربية الرملية تسمح بزراعتها في الأرض كما أنّ مناخها ملائم.

وأكّد ضراغمة أنّ الأدوات المطلوبة لزراعة الفراولة في الضفة الغربية مكلفة جدًّا، بالإضافة إلى غلاء أشتال الفراولة نفسها، لهذا السبب لا يفضّل المزارعون زراعتها ويتوجهون إلى المحاصيل الأرخص ثمنًا مثل الخيار، الذي لا تتجاوز تكلفة الدونم الواحد منه الألفي دولار. وأضاف ضراغمة أنّ أحد المزارعين في طولكرم هذا العام زرع محصول فراولة لأنّ لديها الإمكانيات المادية ولديه المساحة، لكن بقيت المشكلة في عدم توفر نوع السماد الذي يعطي الفراولة لونها الأحمر، لكون الاحتلال يمنع إدخال هذا النوع من الفراولة إلى المناطق الفلسطينية. وأشار أيضًا إلى أنّ أحد المزارعين في مدينة أريحا حاول زراعة الفراولة لكنّه لم ينجح وفشل الإنتاج بسبب ارتفاع درجات الحرارة في المدينة.

وفي هذا السياق، أوضح ضراغمة أن مياه غزة المحلية تساعد على نجاح زراعة الفراولة، على خلاف المياه المتوفرة في الضفة والتي فيها نسبة ملوحة عالية، مشيرا أنه كلما قلت الملوحة في المياه كلما زادت حلاوة الثمار، وأشار أن الفراولة المعلقة تحتاج 50 يوم لتضع ثمارها، أما الفراولة الأرضية تحتاج إلى 70 يوم.

علاقة روحية

وعن مدى الشبه أو الاختلاف بين طعم الفراولة التي تزرع في الضفة الغربية وتلك التي كانت تأتي من غزة، يقول ضراغمة: “الطعم نفسه تقريبًا”، في الوقت الذي أكّد فيه كلّ من سألناهم أن هناك فرق شاسع بين طعم الفراولة المزروعة في الضفة وتلك التي كانت تأتينا من غزة!

إجابة ضراغمة، أعادت بالذاكرة إلى مسلسل “التغريبة الفلسطينية “(2004) للمخرج السوري الراحل الرائع حاتم علي، ففي أحد مشاهد المسلسل، نجحت مجموعة من شباب المخيم في التسلّل ليلًا عبر السياج الحديدي والوصول إلى يافا وقطف البرتقال منها، وعندما عادوا حملوا معهم ما استطاعوا من ثمار البرتقال كي تتناولها العائلة.

في اليوم التالي، أعطى مسعود والده “أبو أحمد” حبة البرتقال، وبينما كان يتناولها قال: هذا برتقال واللي كنا نزرعه في يافا برتقال؟ وبدأ يسهب في الحديث عن برتقال يافا وحلاوته ولذته، فيما كان مسعود ينظر إلى والده مبتسما دون أن ينبس بكلمة.

كان مسعود يدرك تمامًا أن علاقة اللاجئ من يافا بالبرتقال ليست علاقة عادية أبدًا، فهي ليست مجرّد ثمرة يتناولها، بل علاقة روحية تحمل في طياتها الكثير من الحنين إلى الوطن، وحياة الفلاح الهانئة فيه قبل النكبة، هي علاقة تجسد حلم العودة للقرية. علاقة اليافاوي مع البرتقال أكبر من مجرد نكهة في ثمرة، وهكذا دواليك بالنسبة لارتباط الفلسطيني الذي يعيش في الضفة الغربية مع الفراولة الغزية، فالرابطة الروحية بينهما أكبر بكثير من مجرد مذاق لفاكهة، إنها رابط الدم، والوحدة والوطن المكلوم.

حصار بيئي

بعد كلّ حربِ على غزّة، عمد الاحتلال الإسرائيلي إلى مضاعفة عزل القطاع عن الخارج، وتطويقه من خلال تشييد مناطق عازلة، استخدم فيها استراتيجيات بيئية استعماريّة استهدفت أرض غزّة الخصبة. فمنذ العام 2014، استُكملت التغييرات الاستيطانية الاستعمارية في بيئة غزة، من خلال تجريف الأراضي الزراعية والسكنية على طول محيطها الشرقي، بعمليّات رش جوي غير مُعلنة لمبيدات الأعشاب الضارة التي تقتل المحاصيل وفق ما تشير الباحثة شوريدة مولوي في كتابها “الحرب البيئية في غزّة: العنف الاستعماري ومساحات المقاومة الجديدة”. لم تكن هذه الممارسات تستهدف صحة المزارعين الفلسطينيين وسبل عيشهم على طول الحدود فحسب، بل عمدت إلى استهداف البيئة الطبيعية نفسها، تاركةً آثارها في أعماق تربة غزة، باعتبارها البنية التحتية للحياة.

ووفق الكتاب، وسّعت إسرائيل تدريجيًّا المنطقة العسكرية العازلة، أو كما تعرف بـ “المنطقة العازلة” المحيطة بغزّة من خلال استخدام طائرات لرشّ مبيد أعشاب سامّ للنباتات إلى حملتها السحب السامة إلى أراضي غزة، مما أدى إلى تدمير الأراضي الزراعية على بُعد مئات الأمتار. حوّلت الجرافات على الأرض والغيوم السامة في الهواء تلك المنطقة الحدودية التي كانت خصبة في السابق إلى أرضٍ قاحلة، خالية من النباتات. منطقة أشبه بصحراء صنعها الاحتلال بالعزل البيئي وبطبقات من الأسلاك الشائكة، والجدران الخرسانية الممتدّة إلى ما تحت الأرض، والأبراج والسواتر والأنظمة الإلكترونية التي تربط بينها جميعًا.

محاولات لدراسة الأثر البيئي في ظلّ الحرب

تبّهت المؤسسات البيئية الفلسطينية باكرًا إلى الكارثة البيئية التي تحدث في غزة نتيجة الحرب. منسقة “شبكة المنظمات البيئية الأهلية” عبير بطمة، أكّدت أن الشبكة بدأت مع بدء الحرب بدراسة لتقييم الأثر البيئي، والأضرار الزراعية، مشيرة أن هذا المشروع سيتسمر لمدة 3 سنوات أي إلى ما بعد انتهاء الحرب ربّما، وهذا من شأنه أن يمكن العديد من المؤسسات المانحة من معرفة كيفية رفد أي مشاريع بيئية. وقالت “لقد تم إعداد عدة أوراق وتقارير حول الأثر البيئي للحرب، خاصة في ظل إلقاء 80 ألف طن من المواد الكيماوية والمتفجرات المحرّمة دوليًا، وهذا بالتأكيد سيكون له ضرر طويل المدى على الأراضي الزراعية، متوقعة أن يكون هناك نسبة عالية من المعادن الثقيلة ترسبت بالتربة”. كما تابعت أن الاحتلال واصل استهداف البنى التحتية منذ اليوم الأوّل، مثل محطات معالجة المياه العادمة، ما أدى إلى تسرب كمية كبيرة من المياه العادمة إلى الشوارع والأراضي الزراعية دون معالجة، بالتالي زيادة ملوحة التربة.

وبينت بطمة أن أهالي غزة بدأوا يوثقون مشاهدات وآثار نتيجة لهذه الجرائم، حيث فقدت الكثير من الأشجار خصوبتها وإنتاجيتها، نتيجة زيادة الملوحة، تضاف هذه بالطبع إلى الضربات التي تستهدف الأراضي الزراعية مباشرة في المناطق الشمالية والشرقية من قطاع غزة.

 

 

 

 

 

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts