الجزائر – ماجدة زوين
وصفت دليلة الفلاحة التي تقطن مدينة سكيكدة شرق الجزائر النحل الذي تربيه بانه “أولادها” إذ ترى أنّ تلك الكائنات الصغيرة هي أغلى ما تملك، ترعاها بحب الأم فهي التي وهبت حياتها للطبيعة والأرض، غير أن حريقًا شبّ في مزرعة العائلة أدى إلى خسائر كبيرة في المحاصيل الزراعية وخلايا النحل.
“كانت الساعة تقارب الحادية عشرة صباحا عندما رأينا الدخان يتصاعد، اتجهتُ إلى المزرعة مسرعة أبكي وأصرخ، وعندما رأيت النيران تتصاعد من صناديق النحل فقدتُ صوابي وركضت محاوِلة إنقاذ ما يُمكن إنقاذه لكن في لحظة واحدة فقط احترق كل شيء” بهذه الكلمات وصفت دليلة خسارتها بعد اندلاع حريق مهول خلال صيف عام 2020 في مزرعتها التي كانت تضم أشجار الزيتون والكروم وموقع لإنتاج العسل.
قدّرت دليلة خسائرها بنحو 200 ألف دينار جزائري ما يعادل 1500 دولار أميركي، فقد كانت المزرعة مشروعا عائليا يعمل فيه إخوتها أيضا وفق ما تخبرنا: “الأرض كانت مصدر رزقنا، نحن أسرة منتجة نعيش من تعب أيدينا”.
بعد الخسارة الكبيرة التي لحقت بها، وجدت دليلة نفسها مجبرة على ترك أرضها التي تعتني بها منذ سنوات، واضطرّت إلى العمل في مزارع زيتون أخرى بمنطقتها لتأمين قوت يومها “بعد خسارتنا الكبيرة، بقيت من دون عمل، اشتغلت بعدها في مزارع زيتون أخرى، لكن النسبة التي كنت احصل عليها ضئيلة، لا يوجد أجمل من العمل في أرضك” تضيف بوجع.

فلاحات في مواجهة رماد الخسارة
تحوّلت حرائق الغابات في الجزائر خلال السنوات الأخيرة إلى كارثة موسمية متجددة، بعدما التهمت في عام 2021 وحده أكثر من 100 ألف هكتار من الغابات والأراضي الزراعية في شرق البلاد، على غرار ولايات بجاية وجيجل وسكيكدة وخنشلة، إضافة إلى ولايات الغرب مثل سيدي بلعباس. كما سجلت ولايتي تيزي وزو 66 حريقًا في السنة نفسها، كما خلّفت الحرائق سنة 2021 مقتل 90 شخصًا وإصابة آخرين، فضلًا عن تدمير آلاف المنازل والبساتين.
ورغم الجهود المبذولة، تكررت موجات الحرائق عاما بعد آخر حتى عام 2025، إذ صنفت هذه الحرائق كتهديد بيئي وإنساني يتجدد كل عام في ولايات عدة في البلاد.
في قلب هذه المأساة، تعدّ النساء الفلاحات الفئة الأكثر هشاشة، فمعظم مشاريعهن صغيرة وغير مؤمَّنة، وتندرج ضمن استثمارات عائلية تُدار داخل الإطار الأسري من دون تسجيل رسمي أو حماية قانونية، ما يجعلهن في مواجهة الخسارة المباشرة بلا أي سبيل للتعويض أو الدعم. ولا تمثّل الأرض بالنسبة إليهن مجرد مصدر رزق، بل هي رأس المال الوحيد الذي يضمن لهن الاستقلالية الاقتصادية.
يقدر عدد الفلاحات المسجَّلات رسميا في الجزائر ستون ألف امرأة وفق إحصاءات 2021، هذا الرقم يبقى بعيدا عن حجم المساهمة الحقيقية للنساء في العمل الفلاحي، فالعاملات في هذا المجال على ارض الواقع اكبر بكثير من الإحصائية المذكورة.

من قلب قرية مولود فرعون في بلدية بني دوالة بتيزي وزو، أمضت الفلاحة كريمة جريب (56 عاما) سنوات عمرها بين الحقول ومزارع جني الزيتون، كانت تملك بقرة تحبّها كثيرا، وحزنت على فراقها جراء حريق ضرب مزرعة عائلتها في القرية سنة 2021.
تتذكر كريمة بحرقة ما حدث: كان حريقًا صغيرًا في البداية، لكنه امتدّ إلينا خلال ساعات. عندما رأيت الأرض تحترق، شعرت كأنّ شيئا مني يموت وفي المرات الأربع السابقة التي التهمت فيها النيران أشجارنا، كنّا نعيد تقليمها من جديد. كانت أشجارا ضخمة، عمرها مئآت السنين، إلّا أنّ حرائق السنوات الأخيرة أجهزت عليها تماما”.
بدأت كريمة العمل في الفلاحة وهي في السادسة من عمرها، واليوم هي في السادسة والخمسين إذ وجدت نفسها مضطرة لترك الأرض التي أحبتها لتعمل في البلدية، كانت الفلاحة بالنسبة لها أكثر من مهنة، إنّما شغف وحياة. هكذا تخبرنا: “بعت المواشيّ التي كنت أملكها لأن الحقول التي كانت توفّر لنا العلف أصبحت جافة، كنت أشتري علبة العلف للبقرة بألف دينار جزائري، وهو أمر مكلف جدًا”.

ويشير تقرير صادر عن الأمم المتّحدة تحت عنوان “وضع المرأة في النظم الزراعية والغذائية” (2023)، إلى أنّ نسبة النساء العاملات في هذه النظم تبلغ 36% من إجمالي القوى العاملة النسائية حول العالم، مقابل 38% من الرجال. كما يوضح التقرير أن أدوار النساء في القطاع الزراعي ما تزال مهمشة، وأن ظروف عملهن غالبًا أسوأ من ظروف الرجال، إذ يكون عملهن غير منتظم أو بدوام جزئي، أو منخفض المهارات.
ويضيف التقرير أنّ النساء اللواتي يعملن بأجرٍ في الزراعة يتقاضين 82 سنتا مقابل كل دولار يكسبه الرجل. كما أن المرأة لا تتمتع بالقدر نفسه من حقوق الحيازة الآمنة للأراضي، ويظلّ وصولها إلى القروض والتدريب الزراعي محدودًا، في حين تُصمَّم معظم التقنيات الزراعية لتناسب احتياجات الرجال.
هذه الفجوات الهيكلية في المساواة تؤدّي إلى فارق إنتاجية يبلغ 24% بين المزارعين والمزارعات الذين يعملون في مزارع متساوية الحجم، وفق ما يضيف التقرير الذي يخلص إلى أنّ النساء تبقين الأكثر هشاشة أمام الصدمات المناخية والكوارث الطبيعية. فالموارد المحدودة والمعايير الاجتماعية التمييزية تجعل عملية تكيّفهنّ أصعب، إذ يُسجَّل تراجع أبطأ في أعباء عمل المرأة مقارنة بالرجل أثناء الأزمات البيئية.
في الجزائر، لا تتوفر حتى الآن إحصاءات دقيقة حول أوضاع النساء الفلاحات أو أعدادهن الحقيقية، غير أن الواقع يكشف قصصا مؤلمة لنساء فقدن مصدر رزقهن بين ليلة وضحاها. خسرت كلّ من دليلة وكريمة ونساء اخريات عملهن بعدما التهمت النيران المزارع، واضطررن إلى العمل في حقول الآخرين بأجر زهيد، أو إلى تغيير المهنة تماما بحثا عن مصدر دخل جديد.
رزيقة مزارعة من بلدية كركرة في منطقة القل شرق الجزائر تحكي بأسى عن صيف عام 2023، حين التهمت ألسنة اللهب مزرعة عائلتها التي تضم 300 شجرة زيتون على مساحة تُقدّر بأربعة هكتارات.
وتقول “في ذلك اليوم احترقت الأشجار من الجذور، كنّا جميعا نعمل في هذا البستان، فهو مصدر رزق العائلة بأكملها. خطأنا أننا تركنا الأحراش، فهي التي ساعدت على انتشار النار بسرعة وتسببت في خسائر كبيرة”. تتذكر رزيقة ذلك اليوم والدموع تملأ عينيها “بكيت بحرقة، وإخوتي امتنعوا عن الأكل لثلاثة أيام من شدة الصدمة. كان المشهد قاسيًا لا يُنسى”.

كانت العائلة بأكملها تعيش من زيت الزيتون الذي تجنيه، والذي يقدّر بحوالي 600 لتر سنويا، تقول رزيقة “حاولت إصلاح الأرض بعد الحريق، وجلبت عاملين لإعادة غرس الأشجار بتكلفة بلغت 100 ألف دينار جزائري ما يعادل 800 دولار أمريكي ، لكن دون فائدة. بعد وفاة أخي، لم أعد قادرة على الاستمرار، وإخوتي أصبحوا بلا عمل منذ ذلك اليوم”.
رغم الخسارة، لم تستسلم المرأة وتضيف “أعمل اليوم في مزرعة أخرى لمساعدة إخوتي، كما أعمل منظفة في بلدية تمالوس لأؤمّن مصاريف الحياة. حلمي أن أعيد بناء مزرعتي التي فقدتها، وأن أزرع الزيتون من جديد”.
انتظار طويل ووعود بالتعويض
أعلنت الدولة الجزائرية عن خطط تعويضٍ “شاملة” للفلاحين الذين فقدوا بساتينهم ومواشيهم بسبب الحرائق وتمّ تعويض14.096 فلاحًا متضررًا من حرائق آب (أغسطس) 2021 في مدينة تيزي وزو، وشمل التعويض شجيرات الزيتون، ورؤوس الأبقار والأغنام والماعز، فيما قدّر إجمالي التعويضات في القطاع الفلاحي بنحو 2.6 مليار دينار جزائري، إلا أنّها لم تشمل الجميع. فقد أكدت رزيقة أنّ السلطات لم تعوضها بعد الحريق، رغم أنّها حاولت المطالبة بها مع عائلتها، لكن جهودهم لم تُثمر في النهاية
وتضيف “قدّمنا كل الوثائق المطلوبة إلى مديرية الغابات، لكننا لم نحصل على أي تعويض سنة 2023، لأنها شملت فقط المتضررين من حرائق عام 2024، وعندما لم نجد أسماءنا في القائمة، قدمنا شكوى، ولكن دون نتيجة”.
وقالت إنّ مديرية الغابات منحتها لاحقا بعض الشتلات: “أعطوني شتلات من البرقوق وزرعتها، لكن بسبب الحرارة الشديدة ذبلت وماتت، لأننا كنا نسقيها بالدلاء بسبب نقص المياه”، ودعت السلطات للنزول إلى الميدان لترى بعينها الأشخاص المتضررين فعلا، والذين لم يستفيدوا من أي دعم إلى اليوم”.
كريمة هي الأخرى لم تستفد من أي تعويضات وتقول “مرضت بقرتي بسبب دخان الحرائق، كانت حاملا لم أستطع إثبات أن مرضها ناتج عن استنشاقها للدخان، فحرمت من التعويض. تم تعويضنا عن أشجار الزيتون، لكنها لم تنجح ، ربما لأن نوعية الزيتون لم تكن مناسبة. لم نحصل على إعانات مالية، ولم نتمكن من إحياء الأرض من جديد، لأنّ ذلك يتطلب وقتًا طويلا وكثيرا من المال”.
في المقابل، عوّضت المديرية التي تقع ارض الفلاحة دليلة ضمن حدودها الإدارية بثمانين شجرة زيتون في عام 2021، كما وتقول “منحتني المديرية عشر صناديق نحل، وبدأت من الصفر. كنت أشتري البذور والأدوية من عائد الزيتون الذي أجنيه. شيئًا فشيئًا، استطعت أن أقف على قدميّ مجددًا”.
لم تعرف دليلة طريقًا للاستسلام، باعت حليّها الذهبية وأخذت قرضًا بنكيا لتعيد بناء المزرعة من جديد ، وفي عام 2024، تلقت دعما جديدا من مديرية الغابات التي منحتها 50 شجرة من الخوخ والرمان والكروم والجوز واللوز: “بعد خمس سنوات من الحريق، أصبحت مزرعتي مثل الوردة، عادت إليها الحياة بعدما كانت رمادا”.
من جهتها، ترى سعاد بوعصيدة، رئيسة جمعية “ترقية النساء الريفيات” لولاية سكيكدة، أن بعض النساء تمكنّ من الحصول على التعويضات، في حين واجهت أخريات صعوبات بسبب بطء الإجراءات الإدارية، مشيرة إلى أن الجمعية لعبت دورا داعما من خلال تسجيل النساء المتضررات في برنامج لإعادة غرس الأشجار المثمرة بإشراف مصالح الغابات.
وترى بوعصيدة إن التحدي الأكبر اليوم أمام النساء الريفيات هو ضرورة الاطلاع على برامج الدعم الزراعي والغابي المتاحة، والاستفادة من خدمات الإرشاد الزراعي، مؤكدة أن بعض النساء تم تهميشهن، بسبب جهلهن بالإجراءات الإدارية وتعقيد مسار ملفات التعويض، مما جعل بعض الطلبات تتأخر عن غيرها.
وعن الحلول المقترحة لتفادي أو تقليل خسائر الحرائق يشير إبراهيم جريبية، مختص في الفلاحة أنّ “النساء الفلاحات عادة لا يقمن بالتأمين الفلاحي، رغم أن مديريات الفلاحة تقوم بتنظيم أيام تحسيسية للتوعية بأهمية التأمين، وتقدم تسهيلات، لكن الفلاحين والفلاحات لا يمتلكون ثقافة التأمين، ما يجعل إنتاجية سنوات كاملة معرضة للضياع في ثوان عدة”
ويؤكد أنه يجب عليهن الحرص على تجنب كل ما قد يسبب الحرائق، مثل تقليم الأحراش و اقتناء وسائل إطفاء الحريق، ومع ذلك، يبقى التأمين خطوة أساسية، فهو ليس مكلفا ،بل يوفر حماية حقيقية ضد الخسائر الكبرى”.
ما تزال آثار الحرائق محفورة في ذاكرة النساء الفلاحات، فقد كشفت هشاشة أوضاع النساء في الريف، اللواتي وجدن أنفسهن وجها لوجه أمام فقدان الأرض وتعقيدات البيروقراطية، مع ذلك، تُصرّ كثيرات منهن على النهوض من تحت الرماد لكي تقفن شامخات مرة أخرى تماما مثل أشجار الزيتون التي يغرسنها في الارض.
ينشر هذا التحقيق بالتعاون مع تاز بانتر وهو جزء من مشروع “كرين بانتر”